مفاجئاً كان موقف رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، إزاء العقوبات الأميركية على إيران. حلفاء الأخيرة في «بلاد الرافدين» لم يستسيغوا موقف رئيسهم، متخذين من عبارة الشاعر الأموي الفرزدق «قلوبهم معك... وسيوفهم عليك» توصيفاً لقرار العبادي الداعي إلى الالتزام بالعقوبات الأميركية من دون أن «يتعاطف» معها. العبادي، الطامح لنيل «الولاية الثانية»، والمدرك جيّداً أن حلمه مرهونٌ بتوافقٍ غير مباشر بين واشنطن وطهران على شخصه، بات بعيداً نوعاً ما من السباق الرئاسي، ليس من موقفه الأخير فحسب، وتداعياته، بل إنّ الرجل أبدى أمام عددٍ من زوّاره «تفهّمه» للموقفين الإقليمي والدولي، إذ وقع «الخيار» على شخصٍ آخر لتبوّؤ منصبه، الأمر الذي فسّره البعض شعور العبادي بأن «أيّامه معدودة».

العبادي، وفي مطالعةٍ أمام زوّاره لتجربة سلفه نوري المالكي، أكّد أن «عهداً مليئاً بالإنجازات» أفضل من «ولايةٍ ثانية قد تأتي بكارثة»، في إشارةٍ منه إلى القضاء على «داعش» مطلع العام الحالي من جهة، وخوفاً من أن تكون ولايته الثانية كارثيّةً كسقوط مدينة الموصل، في حزيران 2014. كذلك، فإن رئيس الوزراء المنتهية ولايته، حرص قبيل إجراء الانتخابات النيابية (12 أيّار الماضي) على إطلاق حملةٍ للقضاء على الفساد والفاسدين في مؤسسات الدولة، إلا أنّه اكتفى بالشعارات حينهاـ ليعود مطلع الأسبوع الحالي إلى إطلاقها مجدّداً، في محاولةٍ منه لامتصاص غضب الشارع المتزايد (تدخل التظاهرات اليوم شهرها الثاني) والمندّد بسوء الخدمات الحكومية، والفساد المستشري في أجهزة الدولة وإداراتها، وارتفاع نسبة البطالة، عدا عن أن الموقف الأخير لـ«المرجعية الدينية العليا» (آية الله علي السيستاني) كان حازماً بضرورة تلبية المطالب الشعبية، والقضاء على الفساد والفاسدين، وإلا فإن «الغضب السلمي» سيأخذ مساراً تصاعدياً و«عندئذٍ سيكون للمشهد وجهٌ آخر مختلفٌ عما هو عليه اليوم».

العبادي ملتزمٌ فقط بالعقوبات الخاصّة بالتعامل بالدولار الأميركي


إذاً، موقف العبادي لا يُحسد عليه: محليّاً، و«شرعيّاً»، وإقليميّاً أيضاً. محليّاً، بات واضحاً أن الشارع ناقمٌ على أدائه في الفترة الأخيرة، محمّلاً إيّاه مسؤولية الفشل في تحسين الواقع المعيشي بمختلف جوانبه. الأزمة الكهربائية والمائية كانت «القشّة التي قسمت ظهره». انفجر الشارع الجنوبي، وما زال؛ حيث كان لافتاً أمس، تظاهر العشرات من جرحى الجيش، في محافظة الديوانية، للمطالبة بحقوقهم المالية والإدارية، مهددين بـ«الاعتصام المفتوح» إن لم تستجب الحكومة لمطالبهم. وفي تطوّرٍ لافتٍ أيضاً، قرّرت وزارة الداخلية أمس، «حظر تنظيم الاعتصامات المخالفة للقانون»، من دون أن تقدّم تفاصيل إضافية، ما ينذر بإمكان وقوع مواجهةٍ بين القوى الأمنية والمتظاهرين، الأمر الذي سيزيد المشهد الجنوبي تعقيداً وخطورة. «شرعيّاً»، وهو ما يمكن أن يُستشّف من المطّلعين على موقف «المرجعية»، أن الأخيرة غير راضيةٍ عن أدائه، وأداء الطبقة السياسية أيضاً. خطاباتها تشي بذلك، والمعايير التي حدّدتها للرئيس المقبل (شخصية قوية، حازمة، شجاعة) لا تنطبق على شخص العبادي الباحث دائماً عن حلولٍ ترضي جميع القوى (محليّاً، وإقليميّاً، ودوليّاً)؛ وعليه، فإنّ الرجل بات خارج «خيارات» النجف. إحالة العبادي الأخيرة لعددٍ من المسؤولين إلى «هيئة النزاهة» حاول فيها إثبات «قوّته وعزمه»، وأنّه المرشح «الأنسب» لرئاسة الوزراء، إلا أن حديث «الأروقة السياسية» يؤكّد أن «الوقت قد فات... والحديث عن خياراتٍ أخرى قد انطلق».
إقليميّاً، موقف العبادي إزاء العقوبات الأميركية جاء مخالفاً لما اشتهاه. حلفاء إيران ــ ومنافسوه ــ من قوى «البيت الشيعي» في بيانات الأمس، سعوا إلى استثمار موقف العبادي للطعن في «وفائه» للعرفان الإيراني، وتحريضاً ناعماً لطهران على رئيسٍ يتماشى مع الرغبات الأميركية ضد الجمهورية الإسلامية. فموقف «حزب الدعوة» (الحزب الحاكم، وينتمي العبادي إليه) جاء مخالفاً لموقف العبادي، وموقف المالكي أيضاً ودعوته لخلفه أن «لا يكون طرفاً في العقوبات على إيران»، إلى جانب مواقف الفصائل المقاومة التي أعربت عن «صدمتها» تجاه موقف الحكومة الاتحادية، وتأكيدها أن «هذا الموقف هو غير ملزم للحكومة العراقية المقبلة».
طهران، لم تخرج بموقفٍ رسمي تردّ فيه على بغداد، إلا أن العارفين بطبيعة العلاقة القائمة بين بغداد وطهران، يؤكّدون أن دوائر قرار الأخيرة «متأسفة» على موقف العبادي، في وقتٍ ينفي مقربون من العبادي أي حديثٍ من هذا النوع، بل يلفتون إلى أن العبادي «ملتزمٌ بالعقوبات الخاصّة بالتعامل بالدولار»، لأن «التعامل بالدولار مع إيران سيعرضنا للعقوبات، ويضر بشعبنا... ولا يمكن أي دولةٍ أن تتحدى ذلك، حرصاً على ثبات عملتنا».



أربيل: حل المشكلة مع بغداد ينتظر الحكومة المقبلة
أكّد رئيس وزراء «إقليم كردستان» نيجيرفان البرزاني، أن الحلول الجذرية للخلافات الواقعة بين أربيل وبغداد تنتظر تشكيل الحكومة الاتحادية المقبلة، على أن تبدأ مفاوضات تشكيلها «الفعليّة» بعد التصديق على نتائج الانتخابات البرلمانية. وقال في مؤتمر صحافي إن «الشعب العراقي يستحق حياةً أفضل، وهذا يعتمد على إرساء الاستقرار السياسي، الذي لن يتحقق دون معالجة المشكلات، ومنها الخلافات مع الإقليم»، واصفاً اجتماعه الأخير برئيس الوزراء حيدر العبادي، في بغداد، بـ«الجيّد، إلا أن الحلول الجذرية للخلافات بين أربيل وبغداد بانتظار تشكيل الحكومة المقبلة». واستطرد قائلاً إن «العلاقات مع بغداد ودول المنطقة عادت إلى طبيعتها، وليس لدينا أيّ خطوط حمراء على أحد في بغداد، وما نريده ليس شروطاً»، مطالباً الأخيرة بـ«تحكيم الدستور من أجل تحقيق الاستقرار».