يبدو أن الكُمون الذي طرأ على الاحتجاجات الشعبية في العراق خلال اليومين الماضيين لن يستمرّ طويلاً؛ إذ تشهد بغداد، اليوم، تظاهرة داعِمةً لمطالب أبناء المحافظات الجنوبية، سرى حديث عن إمكان مشاركة زعيم «التيار الصدري»، مقتدى الصدر، فيها. وهي مشاركة من شأنها إذا ما وقعت، فعلاً، أن تفتح الباب على فصل جديد سيكون لـ«الصدريين» حضور بارز فيه. ولعلّ ذلك هو ما أراد الصدر الإيحاء به أمس، بدعوته القوى السياسية الفائزة في الانتخابات إلى تعليق محادثاتها في شأن تشكيل الحكومة المقبلة، ريثما تتم الاستجابة لمطالب المتظاهرين.

وشدد الصدر، في هذا الإطار، على ضرورة «تشكيل خلية عمل جادة مع الحكومة، وبالتنسيق مع المتظاهرين، من أجل تنفيذ مطالبهم». وتُعدّ دعوته هذه استكمالاً لموقفه الذي كان أعلنه بداية الاحتجاجات، حيث أكد وقوفه مع مطالب المتظاهرين، داعياً الحكومة إلى الإسراع في الاستجابة لها، قبل أن يرسل وفداً إلى مدينة البصرة لتسلم تلك المطالب. خطوات فُسّرت على أنها محاولة متجددة من قبل زعيم «التيار الصدري» لتزعم صفوف المطالِبين بالإصلاح ومحاربة الفساد، في مسعى قد يتخذ خلال الأيام المقبلة شكلاً أكثر وضوحاً، مع ما يعنيه الأمر من تحول في طابع التظاهرات التي بدت عفوية إلى الآن، وما يمهّد له من سيناريوات تعيد إلى الأذهان ما شهدته احتجاجات الأعوام الماضية.
على خط مواز، واصل رئيس الوزراء، حيدر العبادي، الذي وُصف بأنه أكثر المتضررين مما يدور اليوم، محاولاته لامتصاص الغضب الشعبي. وفي هذا السبيل، التقى العبادي أمس شيوخ محافظة ذي قار ووجهاءها وحكومتها المحلية حيث وعد بأن لديه «مشاريع قصيرة المدى لتحسين الكهرباء والماء والصحة والتعليم والبلديات... وهناك مشاريع متوسطة المدى تحتاج إلى تعاقد، وهناك مشاريع طويلة المدى واستراتيجية». كذلك، أكد العبادي، خلال لقائه المبعوث الأممي إلى العراق، يان كوبيتش، «مضي الحكومة في توفير المتطلبات الخدمية لجميع المحافظات». أما بقية القوى السياسية فظلت على موقفها الداعم لمطالب المحتجين، وفي الوقت نفسه للقوى الأمنية في مواجهة «المندسين». وخلال اجتماع دعا إليه رئيس الجمهورية فؤاد معصوم، قررت «كافة الكيانات السياسية والكتل البرلمانية، بالإجماع، أن التظاهرات السلمية المطالبة بالحقوق وتوفير الخدمات حق كفله الدستور للمواطنين المطالبين بالحقوق المشروعة من توفير الخدمات وفرص العمل وتحسين الحالة المعيشية والخدمية». لكن المجتمعين دعوا المتظاهرين إلى «احترام القانون وحفظ الأمن ومنع أعمال الشغب والتخريب والحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة»، مؤكدين «دعمهم إجراءات القوات الأمنية للتصدي للمعتدين والمندسين الساعين لاستغلال التظاهرات».
على المقلب الخارجي، وفي وقت سرت أنباء عن إمكان قيام إيران بإعادة خطوط الطاقة المقطوعة إلى المحافظات الجنوبية، صدر أول تعليق من الولايات المتحدة على الموجة الأخيرة من التظاهرات. وأعلنت الناطقة باسم وزارة الخارجية الأميركية، هيذر نويرت، دعم بلادها لـ«التظاهرات السلمية التي تشهدها بعض المحافظات العراقية»، معربةً عن تفهمها لحاجات العراقيين. وتطرقت نويرت، أيضاً، إلى الفساد الموجود في بلاد الرافدين، مشيرة إلى أن «واشنطن لديها تواصل وثيق مع الحكومة العراقية، والتنسيق مستمر بين الجانبين في العديد من الأوقات بخصوص المسائل التي هي محل قلق لدينا»، لافتةً إلى أن «الحوارات التي تخوضها واشنطن مع بغداد في شأن قضية الفساد مغلقة وغير معلنة، وعبر السلك الديبلوماسي لواشنطن».