بغداد | الوضع الأمني في العراق ليس على ما يرام. هذا ما تؤكده جملة من الإشارات والمعطيات. توزع الأحداث على خريطة البلاد، وتسلسلها الزمني، وخلفياتها، كلها تظهر أن «عراق ما بعد داعش» في طور التشكل، وعليه فإن ذلك التحول يفرض الدخول في مخاضات عديدة، قد تكون الوقائع الأمنية أبرز وجوهها. وبمعزل عن أسباب تلك الوقائع، يبدو الوضع الأمني أنه لا يزال هشّاً، رغم إعلان رئيس الوزراء، حيدر العبادي، «النصر العظيم» على أكثر التنظيمات المتطرفة (9 كانون الأول/ ديسمبر 2017)، الذي قرأ فيه البعض استعجالاً في الاستثمار السياسي، وتوظيف «التحرير» في الخطاب الانتخابي.

منذ مطلع العام الجاري، والهزات الأمنية ــ بمختلف درجاتها ــ تضرب البلاد، جنوباً ووسطاً وشمالاً، فضلاً عن أحداث الحدود الغربية مع سوريا، حيث تشهد تلك الجبهة باستمرار مواجهات بين القوات العراقية (خصوصاً «الحشد الشعبي») ومسلحي «داعش». هذا الوضع سرعان ما وجد أصداءه في خطاب المرجعية الدينية العليا التي انتقدت، خلال خطبة الجمعة الماضية، «انشغال السياسيين بنتائج الانتخابات، وعقد التحالفات، والتغاضي عمّا يجري في البلاد»، مطالِبةً بالردّ «السريع والمجدي ضد داعش»، بعد اختطافه عدداً من عناصر القوات الأمنية على طريق بغداد ــ كركوك، ومن ثم قتله إياهم الأسبوع الماضي.
ردّ العبادي على تلك المطالبات جاء في التوجيه بتنفيذ حكم الإعدام بحق 12 إرهابياً، في موقف أريد منه «رد الاعتبار» للدولة العراقية. لكن رد رئيس الوزراء، الساعي بحسب البعض إلى استثمار أي قضية يستطيع من خلالها إثبات أنه «المرشح الأوحد» لمنصبه للسنوات الأربع المقبلة، لم يكن على «قدر الآمال المتوقعة» وفق ما ترى مصادر أمنية في حديث إلى «الأخبار». لذا «كان لزاماً إطلاق عملية عسكرية للقضاء على فلول داعش، في المناطق الممتدة بين كركوك وجبال حمرين ونينوى... فضلاً عن المنطقة الحدودية مع سوريا، خصوصاً بعد الغارة الأميركية التي استهدفت كتائب حزب الله - العراق، الشهر الماضي» بتعبير المصادر نفسها. هذا التقدير، وإن كان مخالفاً لإرادة القوى السياسية المختلفة، الباحثة عن مشتركات في ما بينها لتشكيل «الكتلة النيابية الأكبر»، وإرجاء أي مواجهة ميدانية تفتح سجالاً «في غير زمانه»، فرض على «قيادة العمليات المشتركة» الدخول في مواجهة دون تحصيل «غطاء سياسي فعلي، في ظل الغياب الواضح لرؤية مواجهة داعش للمرحلة المقبلة».

دخلت «قيادة العمليات المشتركة» المعركة من دون غطاء سياسي فعلي


وعلى طول الأسابيع الأربعة الماضية، كانت المنطقة الممتدة من غربي ديالى إلى جنوب كركوك فجبال حمرين، وصولاً إلى المناطق الصحراوية في محافظة نينوى، محلّ دراسة ومتابعة من قبل استخبارات «الحشد الشعبي»، بالتعاون مع القوات الأمنية المعنية. وقد وضع الجانبان خطط تطهير لتلك المناطق الصعبة جغرافياً (بعضها لم يدخلها حتى جيش النظام السابق)، التي تشكل ملاذاً آمناً للإرهابيين، مع احتوائها على عدد هائل من الكهوف الطبيعية، والمخابئ المحصنة جيداً في تلك الجبال، التي يصعب استهدافها بدقة من خلال الغارات الجوية أو القصف الصاروخي.
جهد الأسابيع الماضية أثمر أمس انطلاق عمليات «ثأر الشهداء»، التي أدت في أولى ساعاتها إلى تطهير 5 قرى وتدمير عدد من مقارّ «داعش». وأعلن «مركز الإعلام الأمني» الشروع في عملية أمنية واسعة انطلقت من أربعة محاور لتطهير المناطق الواقعة على طريق ديالى ــ كركوك. وقال الناطق باسم المركز، يحيى رسول، إنه «بإشراف قيادة العمليات المشتركة، ومشاركة قطعات الجيش، والشرطة الاتحادية، والرد السريع، والحشد الشعبي، وبتنسيق مع قوات البيشمركة، وبإسناد من القوة الجوية وطيران الجيش، شُرِع بعملية واسعة لتطهير المناطق الواقعة شرقي طريق ديالى ــ كركوك». لكن الأمين العام لوزارة «البيشمركة» في حكومة إقليم كردستان، جبار ياور، نفى أي مشاركة لقواته، مؤكداً وجود «تنسيق فقط بين الجانبين... وعدم تلقي الوزارة أي طلب من الجانب العراقي للمشاركة». وتوازى هذا الإعلان مع إعلان آخر عن «عقد اجتماع موسع بين قيادات القوات العراقية الاتحادية وقوات البيشمركة في محافظة كركوك، بهدف تشكيل لجنة تنسيق مشتركة كخطوة أولى لتأسيس قوة مشتركة للتحرك نحو مناطق لم تحدد حتى الآن». غير أن بعض المصادر تحدثت عن أن «وفد القوات الاتحادية طلب، خلال الاجتماع، من وفد قوات البيشمركة السماح ببدء عملية عسكرية في حدود مناطق ليلان وقره هنجير (محافظة كركوك)»، وهو ما رد عليه وفد أربيل بالرفض.
بدورها، تؤكد مصادر قيادية في «الحشد» أن العمليات ستستمر، مستغربة الحديث عن إمكانية «إيقافها في لحظة ما». وتقول المصادر، في حديثها إلى «الأخبار»، إن القوات العراقية ــ في تطهيرها لتلك المناطق ــ ستعمل على تحقيق تماس مع «البيشمركة»، مُتمسِّكةً بإنجاز تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، حينما استعادت المناطق المتنازع عليها مع الإقليم، وشددت على «عراقيتها»، ورفضت استعادة أربيل لها تحت أي عنوان. المصادر نفسها توضح أن الجولة المطولة التي يجريها حالياً نائب رئيس «هيئة الحشد الشعبي»، أبو مهدي المهندس، من البوكمال السورية حتى كركوك، تهدف إلى إعادة ضبط قواعد الاشتباك مع التنظيم، ومحاولة حصره في مناطق جبال حمرين، وعزله عن المناطق المأهولة، بهدف الحدّ من «إغارات الإرهابيين»، والتأكيد أن «الحشد وظيفته المساهمة في إعادة الأمن والاستقرار». هذا المشهد الساخن، رغم محاولات إعادة الأمن إلى المناطق التي لا تزال مُهدّدة من قبل «داعش»، يشرّع سؤالاً أساسياً: «هل انتهى داعش أم ما زال موجوداً؟». سؤال تظلّ الإجابة عنه، إلى الآن، مرفوضة، سواء من قِبَل الحكومة أو القوى الأمنية أو «الحشد الشعبي».