إسطنبول | لا شك في أن أشرس الموالين الأتراك للنظام السوري هم أولئك الذين تعتمد مصالحهم المادية تحديداً على بقائه، بما أنّ هؤلاء تجّار تصمد أعمالهم وصفقاتهم أو تنهار بحسب استقرار النظام من عدمه. ومنذ بدء حركة التظاهرات السورية، طفا على سطح الإعلام اسمان تركيان في مجال منظمات المجتمع المدني، نقيضان حيال الموقف من سوريا: فإذا كان الناشط الحقوقي، الكاتب المقرب جداً من المعارضة السورية، عثمان أتالاي، هو «صقر» المؤيدين الأتراك لتغيير النظام في دمشق، فإنّ رئيس «لجنة الصداقة الثقافية وتضامن رجال الأعمال والصناعيين الأتراك مع سوريا»، يشار أيدين، قد يكون أبرز اسم تركي اليوم في جبهة المؤيدين لنظام الأسد. ولدى أيدين وزملائه الكثير من الأسباب الموجبة التي تبرر دعمهم هذا، بما أن سوريا هي البوابة الأهم بالنسبة إلى تركيا إلى الشرق الأوسط ودوله، ليس سياسياً فحسب، بل الأهم تجارياً لكون البضائع التركية التي تغزو الأسواق العربية بأسعار تنافسية جداً، تمر بجزء كبير منها عن طريق البر، بالتالي عن طريق الحدود السورية ـــــ التركية. انطلاقاً من ذلك، يصرّ أيدين وفريق عمل لجنته على القول إن «الاقتتال الداخلي في سوريا غير مقبول، والرئيس الأسد هو الوحيد القادر على إيقافه». من هنا، يرى أيدين أن من الطبيعي أن يدعم الأتراك الاستقرار في سوريا برئاسة الأسد، بما أن ما يحصل في المدن السورية «هو مصدر قلق كبير لنا»، ممرراً انتقاداً ضمنياً لموقف حكومة أنقرة من الأزمة على قاعدة أنه «سيكون خطأً كبيراً أن نتجاهل الجهود الاصلاحية السلمية التي يقوم بها الأسد وتعهّداته الهادفة لتهدئة الأوضاع».. حتى إن الأمر يصل بأيدين حدّ الجزم بأن «سعادة السوريين تتوقف على دعم الأسد وإعطائه الوقت الكافي لإعادة إرساء الاستقرار في البلاد من أجل ازدهار الشعب السوري ومواصلة العلاقات الجيدة لسوريا مع دول المنطقة».

وعن هذا الموضوع، يقول أيدين إن تأييده للأسد طبيعي «لأن الرئيس السوري لطالما دعم رجال الأعمال الأتراك والمستثمرين من خلال فتح قطاعات وفرص استثمار جديدة أمامهم في الأراضي السورية». وعن تقييمه للوضع السوري، لا يخفي أيدين معرفته الوثيقة بالأوضاع السورية الداخلية، جازماً بأنه قبل بداية الأحداث في هذا البلد، كانت سوريا دولة آمنة للغاية، بعكس أحوالها اليوم. ويخلص إلى القول إن «أفضل شيء ممكن فعله اليوم يتجسد بإعطاء الوقت لبشار الأسد ليحل مشاكل الشعب السوري، بما يتناسب مع ازدهار وسلام شعبه والمصالح التركية». ومجدداً، يعود أيدين لينتقد موقف حكومته من نظام الأسد، عندما يذكّر بأنه يُنظَر إلى تركيا في المنطقة كشقيق أكبر وأب، «بالتالي عليها التعاطي مع سوريا من هذا المنطلق».
وفي السياق، يذكّر أيدين بالأهمية الاستثنائية التي تكتسبها سوريا بما هي بوابة تركيا إلى الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن العلاقات التي أُرسيت مع نظام الأسد في فترة ما بعد عام 2000 هي نموذجية للمنطقة بأكملها، وهو كلام يُقصَد منه بالطبع، في الشق الاقتصادي، رزم الاتفاقيات التي وقعت طيلة السنوات العشر الماضية بين العاصمتين، بالاضافة إلى اتفاقية إنشاء منطقة التجارة الحرة التي أدت إلى وصول التبادل التجاري بين البلدين إلى ما يقارب الملياري دولار سنوياً، بعدما كان أقل من ربع هذا الرقم قبل سنوات قليلة. وكان من المتوقع بهذا التبادل التجاري بين أنقرة ودمشق أن يكسر أرقامه القياسية في العام الجاري قبل اندلاع الأحداث السورية، بدليل أن قيمة هذا التبادل وصلت إلى 825 مليون دولار في الفترة الممتدة بين كانون الثاني ونيسان الماضيين، قبل أن يتجمد الرقم تقريباً بسبب تصاعد حدة التظاهرات، وخصوصاً بعدما دخلت السياحة بين البلدين حالة تشبه الموت السريري. فبعد إلغاء شرط نيل تأشيرة الدخول على مواطني البلدين عام 2009، ارتفع معدل السياح السوريين في تركيا بنسبة 43 في المئة عام 2010، قبل أن تعود هذه النسبة لتنخفض بنسبة 20 في المئة منذ شهر نيسان الماضي، بحسب ما توضحه أرقام «المكتب الحكومي للإحصاءات» في أنقرة. ولم يقتصر الأثر السلبي للحدث السوري على الاقتصاد التركي على نقص السياح السوريين، بل امتد إلى مواطني الأردن وقطر والسعودية ولبنان، الذين كانوا يدخلون الأراضي التركية عن طريق البر السوري، بسبب المخاوف الأمنية، بل اللافت أن النقص في عدد السياح السوريين والعرب عموماً تعوضه السياحة... الايرانية التي ارتفعت إلى منطقة أنطاليا الساحلية التركية هذا العام بنسبة 132 في المئة مقارنةً مع ما كانت عليه في الفترة نفسها من العام الماضي، بعدما كانت دبي المقصد السياحي الأول للايرانيين. حتى في ما يتعلق بمشكلة الصادرات التركية المتناقصة إلى منطقة الشرق الأوسط، فإنّ أسواقاً أخرى عوّضت الخسائر بما أنّ معدل الصادرات التركية ارتفع بنسبة 41.1 في هذا الشهر من العام الجاري مقارنة مع التاريخ نفسه من العام الماضي.