تفاصيل مسيرة فيدل كاسترو السياسية قد تكون مباحة للجميع، إلا أن جانباً كبيراً ومهماً من حياته الخاصة بقي طي الكتمان طيلة فترة وجوده في الحكم، حتى السنوات القليلة الماضية، حين بدأت بعض المعلومات المتعلقة بعلاقاته العاطفية تتكشّف شيئاً فشيئاً.

لطالما بقيت حياة كاسترو الخاصة، وعلاقته بالنساء مواضيع يحرّم على الإعلام الرسمي الكوبي التطرق إليها، فمن النادر أن تُنشر له أيّ صورة برفقة امرأة، وإذا وجدت مثل هذه الصور «تكون المرأة ظاهرة في الخلفية عن طريق الخطأ».

حتى إن البعض يقول إن المقربين منه، الذين عرفوا تفاصيل حساسة عن يومياته، «أخذوا أسرارهم معهم في نعوشهم»، وهناك من يعتقد أن السرية التي رافقته، أسهمت كثيراً في تثبيت شخصيته كقائد وطني.

كاسترو بعيون ألينا

علاقات كاسترو بالنساء عموماً لم تكن متشابهة، فمن زوجاته إلى عشيقاته، مروراً بابنته، كان لكل منها طابعها الخاص. «هو رجل علاقات عامة جيد جداً... يحاول تصوير نفسه دائماً أنه رجل وحيد، له لحية وبيده سيجار، لا يفعل شيئاً سوى محاربة الإمبريالية العالمية طوال الوقت...»، هكذا تصف ألينا فيرنانديز (54 عاماً) والدها. لا تربطها بوالدها علاقة طبيعية، بل هي تختلف معه كثيراً، وخصوصاً في السياسة: «يرفض الحوار ولا يتقبّل الانتقاد». كانت في العاشرة عندما أخبرتها والدتها أن الرجل الذي بدأ يتردد على منزلهما هو والدها، فيدل كاسترو. وفي شهادة لها نشرتها صحيفة «لو فيغارو» الفرنسية عام 2008، تعترف ألينا بأن دخول هذا الشخص إلى حياتها مثّل انقلاباً كبيراً دفع العائلة إلى تغيير محل إقامتها مرات عدة، وجعل زوج والدتها وأختها يغادران البلاد باعتبارهما «خائنين يناصبان الثورة العداء». في سن الرابعة عشرة صارحت والدها برغبتها في ترك كوبا، لكنه رفض عازياً الأمر إلى إمكان إحداثه «مشكلة سياسية»، وبعد نحو أربع سنوات وجّهت انتقادات لاذعة إلى الحالة الاجتماعية في كوبا، رداً على سؤال صحافي، ما أدى إلى قطيعة بينها وبين فيدل، زادت في نفسها الرغبة في الابتعاد. ولم تفلح في تحقيق مرادها إلا عام 1993 بواسطة جواز سفر مزوّر، زودها به أصدقاء، وهي تعيش اليوم في ولاية ميامي في الولايات المتحدة، وتعمل مقدمة لبرنامج «Simplemente Alina» على إذاعة WQBA، ومنظمة مؤتمرات تعنى بحقوق الإنسان للجالية الكوبية في أميركا.

نساء أثّرن في كاسترو

تعرفت ميرتا إلى فيدل عن طريق شقيقها، الذي كان يدرس الحقوق معه في جامعة هافانا. أغرتها جاذبية الشاب واقتنعت بالزواج به، على الرغم من معارضة أهلها، الذين كانوا مقربين جداً من نظام باتيسيتا. أنجبت له ابنه البكر فيدليتو قبل أربع سنوات من اعتقال قوات باتيستا له عام 1953، بعيد محاولة فاشلة قام بها كاسترو مع مجموعة من رفاقه لإطاحة النظام. ومع تطور الحركة الثورية لكاسترو ورفاقه تحوّل الشاب بلمح البصر إلى رمز للعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية، وأخذت شعبيته وإعجاب الناس به يزدادان، بمن فيهم ناتاليا ريفولتا، المرأة ذات العينين الخضراوين، التي ملّت من حياتها الزوجية، وباعت مجوهراتها لمساعدة المقاومة على التسلح، كما أرسلت إلى كاسترو مفتاح منزلها، بواسطة ظرف معطّر بعطرها، ليتمكن من عقد اجتماعاته السرية فيه. بقيت علاقتهما عادية حتى زُجّ به في السجن. وبين تشرين الثاني 1953وأيار 1955، وخلال فترة حبسه، أرسل «قصائد حب ساخنة» إلى ناتي، وفي أحد الأيام، بدّل أحد الأشخاص الرسائل الخاصة بميرتا بتلك المرسلة إلى عشيقته ناتي، مما أغضب زوجته كثيراً ودفعها إلى الإصرار على الانفصال فوراً.
بعد العفو عنه وقبول نفيه إلى المكسيك، حيث تابع الإعداد للثورة مع رفيق سلاحه، إرنستو غيفارا، ترجم حبه إلى ناتي سريعاً وولدت ألينا.
في الفترة التي أعقبت رحيل باتيستا، أصبح فيدل كاسترو «قائداً ثورياً تتسابق الفتيات إلى الارتماء عند قدميه»، على حد قول ابنته ألينا، بحسب مقال لكريستين تومي، نشرته صحيفة The Sunday Times البريطانية عام 2008، مضيفةً: «كان شاباً يافعاً، ذا كاريزما قوية، ويتمتع بالسلطة... لم يكن بحاجة إلى بذل الكثير من الجهد لاستقطاب النساء».
بعيداً عن كوبا، وطيلة فترة وجوده القسري في جبال سييرا، دخلت حياة فيدل كاسترو عشيقة جديدة، لم تفارقه أبداً إلى أن فارقت الحياة عام 1980. سيليا سانشيز «ثائرة ملتزمة» و«منظمة بالفطرة»، حرست فيدل كاسترو لأكثر من 25 عاماً من النساء اللواتي كنّ «يحمن» من حوله والغيرة تشتعل في داخلها. هوبر ماتوس، صديق سيليا ورفيق فيدل سابقاً، الذي قضى ما يقارب الثلاثين عاماً من عمره بين النفي والاعتقال، بسبب اتهامه فيدل بخيانة «المبادئ الديموقراطية» للثورة الكوبية، يتحدث عن مواصفاتها، مؤكداً أنها كانت امرأة طيبة جداً ومؤمنة ومتحمسة للعدالة الاجتماعية. كان فيدل يقول لماتوس إن سيليا «مفيدة» جداً، فقد أدّت دور المساعدة والعشيقة، «كان واضحاً للجميع أن أمراً ما كان يحدث بينهما». إلا أن كاسترو لم يعاملها بالاحترام الكافي، الذي يليق بامرأة قدمت إليه الكثير من الدعم والحب والمساعدة، ففي كثير من الأحيان لم تكن النساء بالنسبة إليه سوى «أدوات». لم تأبه سيليا لعلاقات كاسترو العابرة بالنساء وعدّتها خطراً عابراً، لكنها عملت كل ما بوسعها لإبعاد ناتي كلياً عن حياته، لأنها كانت تدرك أنه كان لا يزال يكنّ لها «شيئاً ما في داخله».
بالتزامن مع شيوع نبأ علاقته بسيليا، ترددت أخبار عن علاقة طويلة الأمد له مع امرأة أخرى هي داليا سوتو ديل فال، بطلة السباحة، التي جذبت انتباه كاسترو في بداية الستينيات من القرن الماضي حينما كانت تعمل مدرّسة في «حملة لمحو الأمية». داليا، أو لالا كما كان يروقه أن يناديها، أنجبت لفيدل خمسة أولاد، تبدأ أسماؤهم جميعاً بحرف الألف، وهم: أنجيل (بطل أبيه) وأليكس، وأنطونيو، وأليخاندرو، وأليكسيس. وهناك تقارير تتحدث عن أن فيدل اقترن بداليا منذ عام 1980، إلا أنه بقي ينفي الأمر. وقال، في مقابلة مع المخرج الأميركي أوليفير ستون عام 2003، إن «زواجاً واحداً يعدّ أكثر من كافٍ بالنسبة إليّ»، لكن صور داليا التي بدأت تظهر في الإعلام لاحقاً، وهي جالسة على بعد بضعة مقاعد من خلفه خلال المناسبات الرسمية، أخذت تطرح العديد من التساؤلات عن طبيعة العلاقة التي تجمعهما، لتأتي مقاطع الفيديو التي سربتها صديقة ابنهما أنطونيو، التي تظهر فيدل جالساً إلى طاولة الطعام ويتحدث إلى أحفاده أثناء وجودهم في بركة السباحة، إضافةً إلى تفاصيل أخرى عن حياتهما الخاصة أفصحت عنها الزوجة السابقة لابنهما أليكس، إيدالميز مانينديز، بعد انفصالها عنه، لتزيد الشكوك.
أهمية سانشيز في حياة كاسترو وارتباطه بداليا، أكدهما الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز في سيرته الذاتية التي كتبها الكاتب البريطاني جيرالد مارتن. وفي معرض حديثه عن رحلات الصيد التي أمضاها معه يقول ماركيز إن كاسترو كان مدمناً العمل، وحياته اتّصفت بالسرية والكآبة، أما علاقاته الاجتماعية، فمحدودة: «ظل سائداً على مدى سنين أن علاقتة الطويلة الأمد والوحيدة بامرأة، إنما كانت مع رفيقته الثورية سيليا سانشيز...»، ويضيف إنه لم يتضح إلا أخيراً أنه تزوج داليا سوتو ديل فالي بعد رحيل سيليا مباشرةً.
في خضمّ قيادته التدريبات العسكرية ومحاولاته تأمين السلاح اللازم في مرحلة ما قبل الثورة، وقع فيدل في حب ليليا فاسكونسيلوس، سمراء في الثامنة عشرة من عمرها، وطلب الزواج بها بعد أول موعد عشاء بينهما، إلا أن الصبية وفي المرة الثانية التي لبّت دعوته فيها، رمت خاتم الخطوبة في وجهه، وأخبرته أنها ستتزوج بطبيب أسنان مكسيكي. لم تقدر الصبية على تحمّل تصرفاته: «إنه إنسان جامد جداً، ويتحدث بصوت عالٍ، ولا يتمتع بالحد الأدنى من اللياقة الاجتماعية».
أما تيريزا كاسوسو، الممثلة السينمائية والكاتبة الروائية، صديقة ليليا، فسُحرت بفيدل منذ تعرفت إليه، وأرادت أن تحصل عليه بأي ثمن. هي امرأة مطلقة لها شفتان بارزتان، معروف عنها أنها «تعرف تماماً ماذا تريد». استخدم فيدل منزلها لتخبئة السلاح وتخزينه، قبل أن ينتقل للعيش معها. لم تكن هذه الطريقة الوحيدة التي ساعدت بها «تي تي» حبيبها الثائر، بل استلفت له مبلغ 50,000$ من رجل سياسي ثري جداً. ألقي القبض على المرأة بعد مداهمة قوات باتيستا لمنزلها والعثور على قطع السلاح. وفي سجن النساء تلقت بعض الأخبار الكاذبة التي تفيد بأن فيدل ورفاقه فُقدوا، ومن المرجح أنهم لقوا حتفهم.

علاقات كاسترو العابرة

إلى جانب هذا النوع من العلاقات، اكتظت حياة فيدل كاسترو بمغامرات عاطفية عابرة، اقتصرت على الإعجاب والرغبة الجنسية، فتقرّب من صحافيات وممثلات ومغنيات وعارضات أزياء ورياضيات من كل جنسية ولون، ومن بينهن غلوريا، ابنة مثله السياسي الأعلى أليسير غايتان، قائد الحركة الشعبية في كولومبيا، وليندا، الاختصاصية في علم النفس العيادي، التي قطعت علاقتها به سريعاً. أثارت هذه العلاقات السطحية، مسألة وجود الكثير من الأولاد غير الشرعيين لكاسترو، الذين قد يجهل وجودهم أصلاً. أحد رفاقه السابقين، لازارو أسينسيو، يستذكر ليلةً في عام 1952 طلب فيها كاسترو استعارة سيّارته الزرقاء من نوع «بيوك» ليصطحب فتاة «رائعة الجمال». وبعد مرور عدة سنوات اقتربت منه إحدى النساء في الشارع ومعها طفلة في السابعة من عمرها، هي فرانسيسكا بوبو، لتخبره أنها «نتاج ليلة ساخنة في المقعد الخلفي للبيوك». وطلب فيدل بعد ذلك من شقيقه راؤول أن يشتري لهما منزلاً، ويهتم بإقامة حفلات أعياد ميلاد الطفلة: «أكاد لا أستطيع تذكر ما إذا كان كاسترو يذهب لزيارتهما شخصياً». وفي سياق منفصل، أحاط خوسيه بادرو لادا، صديق فيدل كاسترو، تفاصيل العلاقة التي جمعته بالشابة ماريتا لورينز (18 عاماً)، بسرية تامة، قبل أن تظهر إلى العلن على لسان أقرباء له. بذل كاسترو قصارى جهده «من أجل الحصول عليها» عندما رآها للمرة الأولى في حفل عشاء في أحد مطاعم هافانا، حيث كانت تقضي ليلتها مع والدها، قادمين من ألمانيا، قبل الانطلاق إلى نيويورك. نجح كاسترو بواسطة حيلة نفّذها معاونوه بإعادتها إلى كوبا بحجة ترجمة بعض الأوراق الدبلوماسية المهمة. عادت الشابة، على مضض، وفي الغرفة المخصصة لها في فندق هيلتون، قابلت «القائد»، الذي سارع إلى اغتصابها مرات عدة بعدما أحس برفضها له. لم يكن أمام كاسترو، الذي عرض عليها الزواج بصديقه جيزوز يانيز بدلاً من الزواج به، سوى إجبارها على الإجهاض بالقوة حين رفضت.

مدبّر اللقاءات الساخنة

عمل جيزوز يانيز فترةً طويلة على تهيئة الأجواء لفيدل كاسترو ليخلتي بنسائه، فاقتادهن عن طريق مصعد خاص في فندق هيلتون في هافانا، من الطابق السفلي إلى الثامن عشر، الخاص بكاسترو، من دون أن يدري أحد بوجودهن. «رأيت نساءً بعدد شعر رأسي، وفي مختلف أوقات النهار»، شملت مهمّات يانيز أيضاً إبقاء الأضواء في جناح كاسترو خافتة والنبيذ الإسباني بارداً وجاهزاً للشرب.
يصعب اختصار علاقات فيدل كاسترو العاطفية الجدية منها والعبثية، وتحديد طريقة معاملته للنساء، فمنهن من تؤكد أنه رقيق «كالنسيم» و«أستاذ في الرومنسيّة»، وأخريات يعددنه «قاسياً وجافاً لا يفقه أصول معاملة النساء، ولا يهتمّ سوى بتلبية رغباته الجنسية»، ويرد البعض هذا التباين في نظرة «حوّاء» إليه إلى اعتبارات مرتبطة بالسن والظروف النفسية والاجتماعية لشخص لم يهنأ بكثير من الاستقرار في حياته.
ويقول رامون، أحد المسؤولين الرسميين الكوبيين المقربين منه، إن فيدل كاسترو دأب على إبقاء صورته العامة محصورة بكونه «وحشاً كاسراً لا تقوى أيّ امرأة على مقاومته»، متابعاً أنه كان يمارس الحب مع امرأتين على الأقل يومياً على مدى أكثر من أربعين عاماً: «فيدل جامع أكثر من 35,000 امرأة في حياته». ويجزم رامون أن السبب الرئيسي وراء تحمل كاسترو لكل الضغوط التي تعرض لها، ونجاحه في البقاء على رأس كوبا طوال هذا الوقت هو الحسناوات اللواتي عاشرهن.




تمرّد مبكر

ولد فيدل كاسترو عام 1926 لوالدين مهاجرين من إسبانيا، هما أنجيل كاسترو وخادمته لينا روز غونزاليس. عانى كثيراً في طفولته لكونه طفلاً غير شرعي، فقد تزوّج والداه بعد فترة طويلة من ولادته، فشعر بأنه ولدٌ من الدرجة الثانية.
سرعان ما تمرّد على عيشته المترفة التي وجد فيها تناقضاً كبيراً مع حالة الفقر والحرمان السائدة في مجتمعه، فحمل طالب الحقوق السلاح وانتصر إلى جانب رفاقه في حركة «26 يوليو»، على نظام باتيسيتا المثقل بالفساد وعدم والمساواة. تحولت كوبا عقب ذلك إلى أول دولة شيوعية في العالم الغربي، وأمسى فيدل كاسترو شخصية مثيرة للجدل على الصعد كافة، وصيداً ثميناً للولايات المتحدة الأميركية، التي مثّل نظامه عائقاً أساسياً في وجهها فحاربته بمختلف الوسائل، لكنّ كوبا صمدت سنوات طويلة في وجه الحصار الاقتصادي، ونجا كاسترو من أكثر من 630 محاولة اغتيال نفذتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي أي آي).