في غمرة الاهتمام بالثورات العربية، لم تعد هناك مساحة في الصحافة العربية والقنوات التلفزية لتغطية نزاع مزمن وحركة عصيان مدني قام بها سكان الصحراء الغربية ضد القوات المغربية. لكن مناخ الديموقراطية المغربي قد يجلب لسكان الصحراء المتنازع عليها بين المغرب وجبهة بوليساريو بعض التحسن في الظروف الإنسانية والسياسية، ما دام حل النزاع عسكرياً لم يعد مطروحاً.


خلقت الانتفاضات الشعبية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحديات جديدة لمساعي تحقيق الاستقرار والأمن، ما ينطوي على إمكان تغيير الوضع الراهن للنزاع في الصحراء الغربية، حسب تقرير أعدّه كريستوفر روس، مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة الشخصي إلى المنطقة.
التقرير شرح ما وقع منذ تشرين الأول الماضي منذ قيام المحتجّين الصحراويين بنصب مخيم في كديم إزيك، على بعد 15 كيلومتراً إلى الجنوب الشرقي من مدينة العيون. أرادوا باعتصامهم عرض مطالبهم الاجتماعية والاقتصادية على السلطات المغربية. توسّع المخيم تدريجاً ليضم نحو سبعة آلاف خيمة بداخلها حوالى 15 ألف مواطن، بناءً على صور التقطت بالأقمار الصناعية، نظراً إلى أن السلطات المغربية منعت مسؤولي الأمم المتحدة من زيارة المخيم للاطلاع على الأوضاع فيه. أمر عدّه مبعوث الأمين العام انتهاكاً للاتفاق العسكري الأول. الاعتصام تواصل وأدى إلى سقوط فتى قتيلاً برصاص عسكري مغربي، ما أثار المعتصمين، ورفع عددهم مع مرور الوقت. لكنّ القوات المغربية فكّكت المخيم مستخدمة قوة عسكرية كبيرة.
على أثر ذلك، وجّهت الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (جبهة البوليساريو) إلى المبعوث الأممي عدداً من الرسائل تتحدث عن وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان، وتدعوه إلى التدخل منعاً لوقوع «كارثة إنسانية وشيكة»، وإلى إنشاء آلية تابعة للأمم المتحدة لحماية حقوق الإنسان في الصحراء الغربية.
بالطبع لم تقدم الأمم المتحدة على أي خطوة عملية مصطدمة بالموقف المغربي. لكن روس وممثل الأمين العام للأمم المتحدة في الصحراء الغربية، هاني عبد العزيز، تحدثا عن عمليات عنف شديد جرت، «ربما راح ضحيتها العديد من القتلى والجرحى في صفوف سكان مخيم كديم إزيك»، كما ورد في التقرير. وجاء فيه: «في ساعات الصباح المبكر، شنّت القوات المعاونة وضباط الشرطة المغربية هجمات لتفريق المتظاهرين بالقوة وتدمير المخيم. استخدمت الغاز المسيل للدموع ومدافع المياه والهراوات وطائرات هليكوبتر. واندلعت على الفور أعمال عنف في مدينة العيون، وسط شائعات عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى، حيث نزلت مجموعات من الصحراويين إلى الشوارع للاحتجاج على الغارة».
على أثر هذه الأحداث، أُعفي والي العيون، محمد جلموس، من منصبه وحلّ محله خليل الدخيل، أول صحراوي يشغل هذا المنصب. كذلك أقال المغرب رئيس الدرك المغربي في العيون، وأجرى تحقيقاً برلمانياً في الأحداث.
ويروي التقرير أن التوتر استمر متقطّعاً منذ أوائل العام بين القوات المغربية وسكان الصحراء المستائين من تردّي أوضاعهم من كافة النواحي. وقعت تظاهرات احتجاج في العيون وسمارة وبوجدور تخللتها أعمال قمع واعتقالات مغربية. وفي شباط الماضي،حصلت اضطرابات في مدينة الداخلة، عشية الذكرى الـ35 لقيام «الجمهورية العربية الصحراوية الديموقراطية»، أدت إلى وقوع إصابات وتدمير ممتلكات.
لكن الاحتجاجات المتفرقة لم تقتصر على المناطق الصحراوية، بل امتدت إلى المغرب نفسه وإلى مخيمات اللاجئين الصحراويين في تندوف، الجزائر. في المغرب جرت تظاهرات في المدن الرئيسية في 20 شباط و20 آذار الماضيين. وفي مخيمات تندوف نظّمت مجموعة من الشباب الصحراويين احتجاجاً في 5 آذار، حيث تردد أنهم طالبوا بمزيد من المشاركة الديموقراطية في الحكومة «الصحراوية».