سيول | تبدو صورة الكوريين الجنوبيين من بعيد كما لو أنهم سلّموا للغرب كل أوراقهم لدرجة الذوبان في حضارة العم سام، مقابل حمايتهم من أشقائهم «المرتدين» في الشطر الشمالي. بيد أن الواقع، بعيداً عن الالتزامات السياسية والعسكرية بين سيول وواشنطن، يشي بصورة أخرى تؤكد تمسّك الكوريين بإرثهم التقليدي رغم المستوى الرفيع من الانفتاح على الغرب. صورة يمكن أن يلحظها المرء من خلال التمسك بالتراث، بدءاً من عيدان الطعام أو الـ«غيوسغالاغ»، مروراً بالترويج المكثّف لأطباقهم التقليدية، وتعصّبهم للغتهم وعاداتهم وتقاليدهم، وصولاً إلى صناعة السياحة القائمة على التعريف بهويتهم الحضارية ومعالمهم التاريخية التي تحكي قصة السلطة والحروب المتعددة.

ففي هذه الجمهورية الواقعة في منطقة شمال شرق آسيا، بين اليابان والشرق الأقصى جنوباً والصين وروسيا شمالاً، ثمة اختلاف واضح حتى ضمن الجيل الواحد في نظرته إلى الانفتاح الحضاري؛ ففيما يبرّر كاي، الشاب اليافع، تمسّكه باستخدام الـ«غيوسغالاغ » أو «الشوبستكس» بدلاً من السكين والشوكة، معللاً بأنه طريقة صحيّة تجعل المرء يعتاد الصبر ويساعد على هضم المأكولات بهدوء، يشدد زميله يانغ الذي درس في الولايات المتحدة على أن «الفاست فوود» الأميركي أكثر لذة وأسهل إعداداً.
في أحد المطاعم التقليدية، حيث تُقدّم الأسماك على أنواعها، يلتهم سونغ طبقاً من الطعام الشعبي المكوّن من خضر وأسماك وأشياء أخرى، مصرّاً على أن هذا الطعام صحّي أكثر من المأكولات الغربية المشبعة بالدهون. هنا تجد، رغم توافر المطاعم العالمية، أن محالاً وأكشاكاً لبيع الأطعمة الشعبية منتشرة بكثافة، لدرجة تزكم الأنوف لكثرة استخدام التوابل والزيوت.
الكوريون أيضاً يتمسكون بلغتهم. دونغ لا يتقن الإنكليزية جيداً، ويفضّل الحديث عن أهمية اللغة القومية، معتبراً أن «اللغة الكورية غير معيبة»، متسائلاً «لماذا نحن مُجبرون على تعلّم الإنكليزية؟». كلام دونغ يؤكد سبب وجود نزر يسير من الكوريين يتحدثون الإنكليزية، رغم مرور أكثر من ستين عاماً على تحالف كوريا الجنوبية مع الولايات المتحدة.
بيد أن الآنسة لي، كما رغبت في مناداتها، تصرّ على أهمية اللغات الأجنبية لشعبها، قائلة «ما دمنا منخرطين في علاقات دولية واسعة، وما دمنا بحاجة إلى الولايات المتحدة لصدّ الشيوعيين عنّا، ينبغي علينا معرفة اللغات الغربية». يجيب رفيقها ميونغ بحدّة «ماذا نستفيد إذا لم نحترم لغتنا؟ لقد أصبحنا من بين الدول الصناعية الكبرى العشرين «جي 20»، ونحن في تطوّر مستمر مع الحفاظ على هويتنا ولغتنا. لا أجد أبداً أن سؤال الهوية يتعارض مع التطور التقني». ويصل إلى حد التساؤل «لماذا لا يدرس الغربيون لغتنا؟».
الحفاظ على اللغة لم يمنع بعض العادات الأميركية من التغلغل في نسيج المجتمع الكوري، من خلال التأثير الإعلامي الغربي الكبير على الناشئة والشباب، حيث تزدهر الحانات ومرابع الرقص الغربي ومحال الـ«سكس شوب». تبدو بعض تفاصيل الشارع الأميركي على أجساد شبّان ذوي وجوه صفراء دخلوا عالم «الهيب هوب» وقد صبغوا شعورهم بلون أشقر، في محاكاة صارخة للنمط الأميركي، إضافة إلى أن لعبتي «البيس بول» و«الغولف»، أصبحتا جزءاً من التراث الرياضي الكوري.
لا يقتصر صراع الهوية بين جيلين على الطعام، فهناك محاولات دؤوبة للترويج للتراث الكوري عبر رحلات سياحية إلى معالم تحكي تاريخ هذا البلد. لعل الرحلة التي تنظمها كتيبة الجيش الكوري العاملة في جنوب لبنان لمجموعة من اللبنانيين كل ستة أشهر، تصبّ في هذا الإطار.

برنامج سياحي ثقافي

يبدو المشهد جميلاً من خلال الاستقبال الرائع الذي يحظى به اللبنانيون لدى زيارتهم كوريا، ولقاءاتهم مع ضباط خدموا في لبنان، على غرار رئيس قسم القوات الأجنبية في الجيش الكوري، كيم وو شول، الذي استضاف الوفد اللبناني على عشاء في هيئة الأركان، مرحّباً بلهجة عربية مكسّرة «السلام آليكم»، ليتابع بالكورية «أشعر بأن اللبنانيين أهلي وإخوتي. لقد كنتم ودودين جداً معنا في جنوب لبنان. أشكركم». الجنرال كيم، بكل تواضع، أصرّ على توديع الوفد حتى الحافلة التي أقلّته إلى الفندق.
ورغم وجود بعض أبناء الجالية العربية في سيول، إلّا أن لغة الضاد مثل غيرها من اللغات تكاد تكون مجهولة، مع أن هناك قسماً لتدريس العربية في جامعة سيول. لدى وصولنا إلى المطار العسكري في العاصمة، حيث رافقتنا مترجمة «اليونيفيل» جانغ مين كيونغ أو «نجمة»، كما تحب مناداتها، كانت المفاجأة في جواب نجمة لدى سؤالها عن سبب دراستها للغة العربية بقولها «أرى أنها لغة المستقبل». نجمة، التي تتفاءل بمستقبل العرب، خلافاً لأبنائهم، درست في دمشق لشهور قليلة، وهي تتقن العربية الفصحى، لكنها تتوق إلى فهم اللهجات المحكية التي تتعلمها في جنوب لبنان الآن.
أمّا كيون باي بارك، المُجنّد الذي عاد من الولايات المتحدة لخدمة كوريا مدة سنتين (هي فترة خدمة العلم)، فقد اختير لمرافقة الوفد اللبناني خلال رحلته إلى كوريا لتسهيل التواصل مع الأفراد الذين يتقنون الإنكليزية. يبدو كيون متحمّساً للتكنولوجيا، إلى درجة أن «الآيباد» لا يفارقه خلال جولاته، وهو يجد فرصته في إرساله إلى لبنان ضمن وحدة «اليونيفيل»، لأنها تساعده على تحقيق رصيد مالي جيد لدى عودته إلى الولايات المتحدة يعينه على إكمال دراسته الجامعية. ذلك أن راتب المُجنّد (خدمة العلم) في كوريا لا يتعدى مئة دولار، أما انضمامه إلى اليونيفيل فسيوّفر له نحو 1700 دولار أميركي شهرياً. كيون قد يكون نموذجاً للشاب المتأثر بالغرب والمحبّ لبلاده في آن. فرغم أن حياته ومستقبله في أميركا، إلا إن تاريخه وحبيبته التي سيغيب عنها 6 أشهر متواصلة، هما في كوريا.
في اختصار، يُجمع كل من شارك في برنامج «عبر البحار»، الذي تنظمه وزارة الدفاع الكورية، على البعد الثقافي الاجتماعي. فلكوريا الجنوبية، البالغ عدد سكانها نحو 50 مليون نسمة، تاريخ عريق وتراث غني غير الصناعات والتكنولوجيا الحديثة. وهذه الحضارة حسبما يرى أحد المسؤولين لا تزال مجهولة بالنسبة إلى العرب. «لذلك تحاول سيول الانفتاح على العالم العربي الذي ترتبط بعض دوله بعلاقات قوية مع بيونغ يانغ».
لعل أبرز المعالم الفائقة الجمال، تلك الواقعة في قصر «غيونغبوك» في سيول. قصر يعود تاريخ بنائه إلى القرن الرابع عشر، أقامت فيه سلالة جوسون الحاكمة، التي اتخذت من هانيانغ (سيول اليوم) عاصمة لها.
هذا القصر الذي يمتد على مساحة شاسعة ويضم في ساحاته العديد من المباني والحدائق والبرك المائية، ضُمّ إلى قائمة الذاكرة التاريخية العالمية في منظمة الأونيسكو. وقد تعرّض لحريق أتى على بعض معالمه، إبان فترة الاحتلال الياباني الأول لكوريا عام 1592.
في «البيت الكوري» يمكن الزائر أن يتعرّف إلى نمط الحياة هناك، في مكان يشبه البيوت التقليدية، يقدَّم في جانب منه الأطعمة والمشروبات من المطبخ الغني بالمقبّلات والوجبات المتنوعة، وفي الجانب الآخر صالة لتقديم عروض فنية وموسيقية ومسرحية تعرّف الزائر إلى مظاهر الاحتفال بالزفاف الكوري والصور الثقافية والفولكلورية. البيت الكوري الواقع وسط سيول في منطقة جونغ كو، بُني عام 1980، في مكان المنزل الخاص للعالم بارك بينغ نيون الذي عاش في عصر مملكة جوسون، في عهد الملك سيجونغ.
من المفيد الإشارة إلى أن المشهد الكوري التقليدي الذي يبدأ مع قصر غيونغبوك يمرّ أيضاً بالقرية الفولكلورية في مدينة «يونغ إن سيتي» في ضواحي العاصمة. في هذه القرية يمكن اكتشاف الحياة التقليدية للمواطن البسيط، حيث التدفئة المركزية على الحطب والبيوت المصنوعة من الطين والقش. تجسّد هذه القرية مشاهد من الحياة القروية والدكاكين الصغيرة وحظائر المواشي والطرقات المُوحلة. كذلك يمكن الزائر أن ينظر إلى طريقة الجلوس على مائدة الطعام وإعداد المأكولات، إضافة إلى الحرف اليدوية البسيطة التي يقوم بها بعض المتطوّعين من كبار السن.
وفي المتحف الوطني الضخم، الذي استضاف في إحدى قاعاته العام الماضي قمة مجموعة العشرين الاقتصادية «جي-20»، موجودات قديمة لا تقدّر بثمن. ففي هذا المتحف الواقع في منطقة يونغ سان غو وسط سيول، تقع عيناك على كل ما هو جميل من جرار وقدور وتماثيل بوذية ضخمة وتحف فنية ومشغولات يدوية مصنوعة من الذهب الخالص أو الخزف والزجاج والنحاس وأدوات الحرب. مبان حديثة جداً، ومزودة بكافة وسائل الراحة والإرشاد السياحي. يتألف هذا المتحف من جناحين، جناح خاص بالمخطوطات وآخر بالرسوم، إضافة إلى الموجودات القديمة على أنواعها، التي خصصت لها أجنحة كبيرة. وهناك متحف خاص بالأطفال مزوّد ببعض ألعاب الفيديو للتسلية.
المفارقة أن العلاقة بين سيول وعواصم الغرب لم تجعل هذا البلد الآسيوي قبلة السياح الغربيين، بل لا تزال السياحة في كوريا تعتمد على الصينيين واليابانيين بدرجة أكبر، رغم التاريخ الأسود الذي صنعته اليابان في كوريا أثناء اجتياح الأولى للثانية في القرن التاسع عشر.




تعزيز الروابط الثقافية بين لبنان وكوريا

يشرح سفير جمهورية كوريا لدى لبنان، يونغ ـــــ ها لي، الهدف من برنامج «عبر البحار» السياحي، قائلاً إنه «يسعى إلى تعزيز الروابط الثقافية وتعريف اللبنانيين إلى حضارة طالما كانت مجهولة بالنسبة إليهم. ويبرّر السفير هذه المشاريع التنموية التي تقوم بها بلاده في الجنوب اللبناني وتنظيم رحلات للبنانيين، بأنها عربون تقدير لموقف لبنان الذي قدّم دعماً إلى سيول ضد بيونغ يانغ خلال الحرب الكورية (1950ـــــ1953). ويشير أحد منظّمي هذا البرنامج المموّل تمويلاً كاملاً من الحكومة الكورية إلى أن مرافقة المجموعات اللبنانية لعديد «اليونيفيل» الذين أنهوا خدمتهم (ستة أشهر) في الجنوب، ومن ثم العودة مع البديل بعد عشرة أيام، يجعل بعض الضباط والعناصر راضين عن ردّهم للجميل الذي شاهدوه في تعاون أهل الجنوب اللبناني معهم، حيث يتابعون كل تفاصيل البرنامج ويقدمون التسهيلات والترجمة لأعضاء الوفد.