خاص بالموقع | باراك أوباما في البرازيل. العنوان جذاب، أما الحدث فكان باهتاً. والاعتبارات الأمنية المتعلقة بدخول الولايات المتحدة مع حلفائها الحرب على نظام القذافي في ليبيا زادت من هذا المنحى، إذ أدت إلى نقل كل خطابات أوباما التي كانت مبرمجة في الهواء الطلق (إن في برازيليا أو في ريو دي جانيرو إلى قاعات مقفلة).

وأخّرت الحرب التي يقودها أوباما من سفارته أو فندقه سير البرنامج، وقلصته إلى حده الأدنى، مثل الزيارة الخاطفة لفافيلا «سيدادي دي ديوس» (أي مدينة الله التي اشتهرت من خلال السينما) التي دامت 20 دقيقة، كان على أوباما خلالها أن يحضر عرضاً لرقصة «الكابويرا» التي أتت من أفريقيا وأن يلعب كرة القدم مع الأطفال، وأن يحيي عن بعد القلائل الذين سمح لهم بالحضور.
واحتل الوضع في العالم العربي حيّزاً مهماً من خطابه في المسرح البلدي في ريو، حيث قال أوباما في أول زيارة رسمية له لأميركا الجنوبية التي تشمل العملاق البرازيلي والتشيلي: «إننا رأينا تظاهرات في كل المنطقة هبّ فيها الشباب للمطالبة بحقهم في تحديد مستقبلهم. والتغيير الذي يبحثون عنه يجب أن يقوم به الشعب. لا ندري ما الذي سيحدث، لكن علينا ألا نخشى التغيير. وعندما يطل نور الحرية سيصبح العالم أكثر إشعاعاً».
أضاف بنفحة شعرية قبل أن يتابع: «ليس على الولايات المتحدة أن تفرض التغيير، شعوب المنطقة هي التي تناضل من أجل حقوقها، وهذا شيء إيجابي بحد ذاته». ثم حاول الربط بالوضع البرازيلي، مذكراً بـ«عقود التسلط في البرازيل» (بين عامي 1964 و1985) ليرى في عودة الديموقراطية الناجحة «مصدر إلهام للدول العربية في مرحلة الانتقال إلى الديموقراطية». ووصلت الحرب إلى غرفة الخلوة التي دخل إليها مسؤول أميركي لكي يعطي أوباما الضوء الأخضر لبدء العمليات العسكرية خلال لقائه مع الرئيسة، ديلما روسيف. ومن المعلوم أن البرازيل هي من بين الدول الخمس التي امتنعت عن تأييد قرار مجلس الأمن، لأنها «كانت تفضل حلاً تفاوضياً سلمياً، وهي ترى أن هامش تحقيقه كان ممكناً بعد»، وأعربت كذلك عن خشيتها «أن يؤدي الهجوم على ليبيا إلى تأجيج المعارك البرية، بدلاً من تقليصها».
من جهة أخرى، سيطرت المواضيع الاقتصادية والتجارية _ وأيضاً الخلافات _ على باقي الزيارة، وأكد أوباما في مقابلة لمجلة «فيجا» أن الاقتصاد الأميركي بالرغم من الصعوبات الناتجة من أزمة عام 2008 ليس على درب الانحطاط، من دون أن ينسى التنوية بدور البرازيل الصاعد «لذلك نعمل على زيادة دورها في مؤسسات الاقتصاد المعولم مثل الجي _20 وصندوق النقد والبنك الدولي». لكنه تحاشى التطرق، مخيباً آمال البرازيليين إلى ما يعدونه الرديف السياسي لهذا الدور الاقتصادي الصاعد، أي العضوية الدائمة في مجلس الأمن. إذ اكتفى بالقول بعدما نوه بدور البرازيل الطليعي في مقاومة التغيير المناخي بأننا «سنستمر نعمل لكي يصبح مجلس الأمن أداة أكثر فعالية»، وهو كلام لا يلبي طموحات البرازيل التي ترى أن تشكيلة مجلس الأمن الحالية «لم تعد تجسّد حقيقة العالم الحالي اقتصادياً ولا سياسياً».
وذكرت الرئيسة ديلما بذلك صراحة قائلة: «يقلقنا بطْء التغييرات الحاصلة في المؤسسات الدولية، سواء في المؤسسات الاقتصادية التي أتت «محدودة ومتأخرة» أو في المؤسسات السياسية، وإصرارنا يمت بصلة إلى ضرورة تفعيل عالم متعدد الأقطاب، لا بأنانية احتلال كرسي بيروقراطي».
كذلك على الصعيد الاقتصادي، قال أوباما: «تستطيع الولايات المتحدة والبرازيل، لا بل يجب عليهما أن تنشئا علاقات اقتصادية يخرج منها البلدان كاسبين، علاقة تعاون في مجالات مفصلية من الاقتصاد مثل الطاقة»، وفي ذلك إشارة إلى الاحتياط النفطي الهائل الذي اكتشفته البرازيل في أعماق مجالها البحري. وقاربت روسيف الموضوع نفسه من منطلق آخر بقولها: «نحن بلد يحاول الخروج من تأخره التنموي، ونحتاج لذلك إلى علاقات أكثر عدالة وتوازناً». وطالبت من دون مراوغة برفع العوائق الجمركية عن عدد من القطاعات عددتها بالاسم، الإيتانول وتصدير اللحوم وعصير البرتقال والقطن والحديد، وكلها منتجات برازيلية عليها أن تدفع رسوماً إضافية للسماح لها بدخول السوق الأميركية.
وفيما كان اليسار ينظم تظاهرة في ريو دي جانيرو للتنديد بـ«التدخل الإمبريالي في ليبيا»، لم تخل الصحافة الأميركية من انتقادات للزيارة. من جهة سوء توقيتها، رأى البعض «أن على الرئيس قيادة العمليات العسكرية من البيت الأبيض»، فيما ذكرت صحف أخرى «أن البرازيل لم تصوت إلى جانبنا في مجلس الأمن».
أخيراً، عُدّ غياب الرئيس السابق إيناسيو لولا دا سيلفا، عن حفل العشاء الذي أعدته السفارة الأميركية في برازيليا، تجسيداً يدل على تدهور العلاقة التي حصلت بين الرجلين، وخصوصاً بعد المبادرة التركية البرازيلية للتوسط في الملف النووي الإيراني.