في الثلاثين من كانون الأول الماضي، منحت وزارة الدفاع الأميركية عقداً لـ«دي آر إس سي3 وشركة الطيران» بقيمة 19691000 دولار لتأمين معدات وخدمات مراقبة أرضية، لمصلحة حكومة مصر، كذلك منحت عقداً آخر بقيمة أقل (سبعة ملايين دولار) لـ«كاتربيلر» لتزود الحكومة المصرية بعض المعدات والآليات الثقيلة.

العقدان هما هدية، متواضعة، من الحكومة الأميركية إلى حليفها الأول في العالم العربي، وثاني متلقٍّ للمساعدات العسكرية الأميركية بعد إسرائيل. هكذا ينتهي عام 2010، وتكون واشنطن قد وفت بوعدها للقاهرة بمدها بالأسلحة والعتاد والتدريب، وصلت قيمتها إلى 1.3 مليار دولار. رقم لم يتغير منذ 2000، إلا في 4 سنوات انخفض فيها قليلاً (1.289 مليار). وطلبت الإدارة الأميركية من الكونغرس الموافقة على مبلغ مماثل (1.3 مليار) لعام 2011. وساعدت واشنطن القاهرة، عسكرياً، بين 1975 و2005 بما يزيد على 50 مليار دولار. يسهم «لوبي» مهمّ في الضغط على واشنطن كي لا تقطع المساعدات، عماده توني بوديستا (شقيق رئيس موظفي بيل كلينتون السابق) والنائب السابق الديموقراطي بوب ليفينغستون وزميله الجمهوري توبي موفيت. يتلقّى هؤلاء مبلغ مليون دولار سنوياً من مصر لنصحها، فيما لا تُعرف كمية الأموال التي تدفعها لهم شركات الأسلحة التي ينصحون القاهرة بشراء المعدات منها، بواسطة أموال المساعدات.
وبما أنّ مصر انخرطت كلياً في الحرب على الإرهاب، وعملية السلام وهي عضو مهمّ في نادي دول الاعتدال المدعوم أميركياً، لم تكن هناك طريقة لتخفيف قيمة هذه المساعدات، حتى في عز الأزمات المالية الدولية. ووجدت واشنطن الحل في خفض نسبة المساعدات الاقتصادية، التي تراجعت من 693 مليون دولار في 2001 إلى 250 مليون دولار فقط في العام الماضي.
وتنوّعت هذه المساعدات فشملت مختلف القطاعات العسكرية، من الجيش البري وصولاً إلى القوات البحرية والجوية، من طائرات إف ـــــ 16، والدبابات، والآليات المدرعة، ومروحيات الأباتشي، وبطاريات الصواريخ المضادة للطائرات، وغيرها، إلى جانب المناورات السنوية المشتركة (النجم الساطع) بين جيشي البلدين. هكذا أصبح الجيش المصري، الذي يعدّ 428000 عنصر، ويحل في المرتبة العاشرة عالمياً، مجهزاً بطريقة جيدة وعلى قدر عال من الاحترافية، لأنّ الراعي الأميركي لا يبخل بدورات التدريب. دورات تشمل كلّ ما يمكن أن يخطر على البال، فمثلاً، استطاع عدد كبير من الجنود المصريين، المشاركة في دورات مكثفة في 2008 في تكساس، ليصبحوا أكثر كفاءةً في العثور على أنفاق التهريب على الحدود مع غزة. ذلك التدريب كان أيضاً هدية أميركية بقيمة 23 مليون دولار. هذه الهدايا لم تكن مجانية، فإلى جانب حراسة الحدود مع غزة لمنع التهريب، تسمح مصر للجيش الأميركي باستخدام جوّها بلا مقابل، وتعطي الأولوية لمرور السفن الحربية الأميركية في قناة السويس. وسمحت بـ36553 طلعة جوية عسكرية أميركية بين 2001 و2005. كما أنّ قطعاً بحرية من الأسطول السادس تُعدّ زائراً دائماً في مرافئها.
هذا التعاون العسكري يتبعه وجود أميركي في مصر، لا يتخطى اليوم 261 عنصراً، كما تؤكد وزارة الدفاع الأميركية، موزعين على الشكل الآتي: 195 من الجيش، 5 من البحرية، 24 من مشاة البحرية، و37 من القوات الجوية. هذا إلى جانب 500 عنصر في «القوة المتعددة الجنسيات، والمراقبين» في سيناء. يشكّك بعض المراقبين في هذا الرقم، ويرون أنّه لا يشمل المدربين الذين يأتون بالآلاف سنوياً لمساعدة الجيش، وخصوصاً عبر مكتب التعاون العسكري. هذا إلى جانب موظفي الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID)، الذين تؤكّد وزارة الخارجية الأميركية أنّهم لا يتعدون 300، لكن حتى هذا الرقم قليل نظراً إلى أنّ العقود الموقعة بين الدولة المصرية والوكالة تجبر الأولى على قبول مراقبين يتابعون تنفيذ المشاريع، التي تشمل تعزيز التجارة والتعليم والصحة وإدارة الموارد الطبيعية ومهمات غامضة، مثل تعزيز الحكم العادل والديموقراطي.
لكنّ المصريين، ليسوا ناكرين للجميل، إذ لم يبخل أيّ زائر عسكري على مستضيفيه الأميركيّين بالهدايا. وتشير سجلات «الأرشيف الوطني» الأميركي إلى أّن المصريين كانوا الأكثر كرماً في 2009، حيث أهدى رئيس الأركان سامي عنان وزير الدفاع روبرت غيتس عقداً ذهبياً (516 دولاراً) وإناءً للنبيذ من الفضة (750 دولاراً)، وقدم إلى الأدميرال مايكل مولن إناءً ووعاءً من الفضة (630 و450 دولاراً) وعقداً فيه صليب (425 دولاراً). كما أهدى عنان مساعدة وزير الدفاع ماري بيث لونغ سواراً من الذهب (565 دولاراً). أما وزير الدفاع المشير محمد طنطاوي، فقد أهدى غيتس مسدساً (محشواً)، وسجادة قديمة وإطاراً للصور من الفضة، وألبوم صور من الذهب (985 دولاراً). من جهته، قدّم قائد القوات البحرية المصرية، مهاب مميش، إلى مسؤول العمليات البحرية في الجيش الأميركي الأدميرال غاري راغهيد إناءً بقيمة ألف دولار، فيما قدمت زوجته إلى عقيلة راغهيد سواراً من الماس بقيمة أربعة آلاف دولار.