مساء الأحد 6 أيار، ألقى فرنسوا هولاند خطبته الرئاسيّة الأولى. المشهد لم يكن سعيداً بالنسبة إلى معظم اللبنانيين _ الفرنسيين، المشهورين منذ سنوات طويلة بولائهم لليمين الفرنسي. ورغم أنّ صناديق الاقتراع في فرنسا رجّحت المرشح الاشتراكي للرئاسة، انتصر اللبنانيون _ الفرنسيون في مراكز الاقتراع الأحد عشر في لبنان، مرّة ثانية لساركوزي. ففاز الأخير فيها بنسبة 68,7% على غريمه هولاند، الذي حاز نسبة 31,8% من الأصوات، بنسبة مشاركة وصلت إلى 55%.


الأرقام اللبنانيّة المتوقّعة، مع أرقام الفرنسيين الآخرين خارج الأراضي الفرنسية، لم تشكّل الدعم الكافي الذي كان ينتظره اليمينيون لترجيح كفّة ساركوزي، على أساس أنّ نتف الأصوات كلّها يمكن أن تحدث فرقاً في الانتخابات الرئاسية.
اللّبنانيون _ الفرنسيون يفضّلون، بسوادهم الأعظم بغضّ النظر عن انتمائهم الطائفي أو المناطقي، عودة اليمين إلى قصر الإليزيه، رغم أنّ مواقف الأخير هي عادة أكثر تطرّفاً تجاه المهاجرين. لكن الغريب أنّ عدداً كبيراً من اللبنانيين _ الفرنسيين لا يرون أنفسهم معنيين بالخطاب العنصري تجاه المهاجرين. فبالنسبة إلى اللبناني _ الفرنسي، إيلي بعقليني، «اللبنانيون متأقلمون في بلدهم الثاني فرنسا، ومن يعرف حقوقه وواجباته في هذا البلد فلن يطاوله سوء. كذلك، إنني أؤيّد ساركوزي في خطابه ضدّ الهجرة غير الشرعيّة بما أنّ نسبة الجريمة والسرقة هي في تزايد في البلد. وإنّ تهاون الاشتراكيين طوال فترة حكم ميتران، في موضوع الهجرة، هو ما جعل الأمور تتفاقم إلى هذا الحدّ». أمّا المستشار في حزب «الاتحاد من أجل حركة شعبية»، العضو في «جمعية الغدير الإسلاميّة» في فرنسا، علي زريق، فيرى أنّ «اليسار يلعب بعواطف المهاجرين، بينما اليمين يطلق في بعض الأحيان شعارات ضدّهم كي يحصل على أصوات اليمين المتطرّف. لكن اللبنانيين _ الفرنسيين يصوّتون لليمين، بما أنّهم ينتمون عادة إلى الطبقة الوسطى التي لا تشارك اليسار أفكاره». ومع أنّه للوهلة الأولى يبدو غريباً اجتماع الصفتين اللّتين يحملهما زريق، إلا أنّه يجد الأمر عادياً ويقول إنّ «أيّ حزب فرنسي سأنتمي إليه سيبدو غريباً إلى جانب اسم «جمعية الغدير». كذلك إنّ عائلة اليمين الفرنسي كبيرة، وهي تحوي عدّة تيارات فكريّة. وأنا أجد مكاني في هذا الحزب مع التيّار «الديغولي»، ولا أؤيّد من خلاله معاداة العرب أو المهاجرين».
في فرنسا لا يعود العالم ملوناً بلوني 8 و14 آذار اللذين يصبغ اللبنانيون بهما العالم؛ إذ إنّ اختيارهم لمرشّحهم يكون بالدرجة الأولى بما يتناسب مع مصلحة أعمالهم هناك، وبالتالي السياسة الداخليّة الفرنسيّة. لذا، إن كان معظم اللبنانيين _ الفرنسيين يميلون يميناً، فإنّ عدداً من الذين صوّتوا للاشتراكي هولاند، ينتمون في معظمهم إلى الجيل الشاب. فأولئك المجنّسون الجدد، أو الداخلون إلى حقل العمل حديثاً، عانوا التعقيدات الكثيرة التي فرضها اليمينيون على موضوع حيازة الجنسيّة أو العمل. فباسل عسّاف، مثلاً، الذي صوّت يساراً يقول: «تهمّني السياسة التي ستتّبعها الدولة مع المهاجرين. فلكوني واحداً منهم، أتمنى أن تفرّق الدولة الفرنسيّة بين من لديهم إمكانات ليقدّموها لهذه الدولة وبين المهاجرين الآخرين. على أن يُعالَج ملفّ كلّ مهاجر غير كفوء على حدة».
موفدة «الاتحاد من أجل حركة شعبيّة» إلى بيروت، فابيان بلينو أبي رميا، تبرّر وقوف السواد الأعظم من اللبنانيين _ الفرنسيين إلى جانب اليمين بالقول «إنّ قيم اللبنانيين عامةً يمينيّة، وهم ينتمون جينياً إلى الأفكار اليمينيّة، فهذا هو مكانهم الطبيعي». ورغم اختلاف طوائف اللبنانيين ومخاوفهم وتوجّهاتهم، تقول بلينو أبي رميا، إنّ بإمكان الحزب الحاكم سابقاً أن يحتويهم؛ «فالمسيحيون في لبنان يصوّتون على أساس سياسة الرئيس داخل الأراضي الفرنسيّة، بينما اللبنانيون الجنوبيّون يهتمّون أكثر بسياسة فرنسا الخارجيّة، وخاصةً موقفها من الصراع العربي _ الإسرائيلي. نحن نحاورهم بشأن مخاوفهم هذه، وهم يعرفون أنّ الرئيس لا يغيّر الكثير في هذا الموضوع، بما أنّه نفسه عليه أن يتبع سياسة الدولة العامّة تجاه الخارج. من هنا يعود خيارهم ليصبّ أيضاً لمصلحة اليمين. بينما في الشمال مثلاً، كان همّهم الرئيسي في هذه الانتخابات، هو اللاّجئين السوريين، وإن كانت الدولة الفرنسية سترسل إليهم معونات إنسانيّة. نحن نفهم الاختلافات اللبنانيّة على كلّ الصعد، لكن في النهاية فرنسا دولة علمانية، وتقارب دائماً جميع المواضيع، في أيّ بلد كان، من هذا المنطلق».
أكثر من التزامهم باليمين، يلتزم اللبنانيون _ الفرنسيون الفكر الديغولي. فلا يزال الكثير منهم ينتخب بحسب أين يجد «ديغوله». فأفكار الجنرال ممكن أن تختلف لدى البعض باختلاف اليمين واليسار. هكذا يصوّت أسد عيد لمبادئ ديغول في اليسار المتطرّف، بينما يصوّت لها زريق في اليمين. لكن معظم الناخبين اللبنانيين _ الفرنسيين يجمعون على أنّ إرث ديغول موجود في اليمين الفرنسي اليوم؛ «ففرنسا القويّة» أكثر قرباً من «فرنسا الحرّة»؛ إذ إنّ اليمين هو من أعاد إلى فرنسا مكانتها واحترامها بين دول العالم، بينما اليسار يُسهم في «تقوقعها».