باريس | «لقد فعلتموها»، قالت مرشحة الرئاسة السابقة سيغولين روايال، مساء أول من أمس، مخاطبة جموع المحتفلين بفوز اليسار في انتخابات الرئاسة الفرنسية في ساحة الباستيل في باريس. ثم أضافت، بعد تردد: «لقد فعلها»، مشيرة إلى مساكنها السابق فرانسوا هولاند، الذي نجح في افتكاك الرئاسة من نيكولا ساركوزي، بأغلبية 51,7 في المئة من الأصوات. نصر انتخابي فاجأ الحلفاء قبل الخصوم.


فطوال أشهر، كان نزيل الإليزيه الجديد عرضة لانتقادات شتى. خلال انتخابات التصفيات الداخلية بين أقطاب الحزب الاشتراكي، تمهيداً لتعيين مرشح الحزب للرئاسة، وصفته منافسته الأبرز، مارتين أوبري، برمز «اليسار الرخو»، بينما قالت منافسته الأخرى، سيغولين روايال، التي تقاسمته حياته طوال ربع قرن وأنجبت منه أربعة أبناء، أنه «كسول واتكالي ومراوغ يخشى المواجهة وعاجز عن حسم مواقفه أو اتخاذ قرار». لكن التحول الجذري الذي ظهر به هولاند، خلال المراحل الأخيرة من حملة ما بين دورتي انتخابات الرئاسة، فاجأ جميع المراقبين، وبالأخص بعد أدائه في المناظرة التلفزيونية التي قضى فيها على آخر آمال ساكوزي في إعادة ترجيح كفة موازين القوى الانتخابية في مصلحته. وتوافق الجميع، بعد الوجه الحازم والكاريزما المفاجئة التي برهن عليها هولاند خلال المناظرة، على أنه وضع قدماً في الإليزيه.
وأجمعت تعليقات المحللين على أن التغيير في شخص هولاند ومساره وأسلوبه السياسي يذكّر إلى حد كبير بمقولة الرئيس الاشتراكي الأسبق فرانسوا ميتران الشهيرة بأن المقام الرئاسي في العرف السياسي الفرنسي، منذ قيام الجمهورية الخامسة، يعيد تشكيل شخصيات المرشحين ويكشف ما قد يخفى حتى على أقرب المقربين منهم من مواصفات الكاريزما والزعامة السياسية. واللافت أن فرانسوا هولاند ظل الأقل استقطاباً للأضواء من بين «صقور الحزب الاشتراكي» الشباب، الذين اتخذ منهم الرئيس ميتران مستشاريه بعد انقلابه على الحرس القديم في الحزب. عمل هولاند إلى جانب ميتران 14 عاماً (1981 _ 1995)، ثم تولى قيادة الحزب الاشتراكي خلفاً لليونيل جوسبان الذي عُيِّن رئيساً للحكومة، عام 1997. ومع ذلك، فإنه قوبل بالسخرية، حين تقدم لأول استحقاق انتخابي محلي، عام 2001، كمرشح لمنصب عمدة مدينة «تول»، في مقاطعة «كوريز»، المعقل السياسي التقليدي لجاك شيراك وزوجته برناديت، التي لا تزال رئيسة المجلس البلدي للمقاطعة إلى اليوم. يومها، نُقل عن الرئيس شيراك قوله متهكماً: «من هذا الاشتراكي المغمور الذي زج به لمنافستنا في هذا المعترك الانتخابي؟ حتى كلب ميتران «بالتيك» أكثر شهرة منه في مقاطعتنا».
لكن هولاند المغمور افتك المنصب من آل شيراك على نحو مفاجئ. وإذا بجاك شيراك الذي سخر منه في بداياته يدعمه في معترك الانتخابات الرئاسية الأخيرة ضد ساركوزي، المفترض أنه ورث شيراك في قيادة الغالبية اليمينية الفرنسية. وفسر شيراك تأييده لهولاند بالتغيير الباهر في شخصيته، حيث أعاد تفصيل منهجه وخطابه على مقاس المقام الرئاسي، كما كان يقول الجنرال ديغول، ما جعل شيراك يرى فيه الشخصية الكفيلة بأن تعيد إلى المنصب الرئاسي هيبته ووقاره اللذين ابتذلا في عهد ساركوزي.
بعد فوز هولاند بالرئاسة، أصبح المحللون، الذين كانوا في السابق يرون في منهجه التوفيقي مؤشراً على «رخاوة فكرية»، يأملون أن يؤهله ذلك لتجميع مختلف تيارات اليسار حول برنامج مشترك يتسم بالبراغماتية، ويزاوج بين التوجهات الاجتماعية ذات المنحى الاشتراكي للتكفل بأوضاع الطبقات البسيطة الأكثر تضرراً من الأزمة الاقتصادية، وبين مقتضيات ترشيد الإنفاق العام لتفادي الوقوع مجدداً في مطب عجز الميزانية الذي أدى إلى تفاقم أزمة الديون السيادية التي عصفت بكامل دول منطقة العملة الأوروبية المشتركة «اليورو».
من هذا المنظور، ترجح التسريبات الأولية من كواليس الأغلبية اليسارية الجديدة أن يدور التنافس على منصب رئاسة الحكومة أساساً بين ثلاث شخصيات محورية، هي: وزيرة العمل السابقة، مارتين أوبري، ورئيس الكتلة الاشتراكية في البرلمان، جان مارك إيرو، ووزير الشؤون الأوروبية في آخر حكومة يسارية (١٩٩٧ _ ٢٠٠٢)، بيار موسكوفويسي. مارتين أوبري، التي تجمع حالياً منصبي الأمينة العامة للحزب الاشتراكي وعمدة مدينة «ليل»، كبرى مدن الشمال الفرنسي، تُعَدّ الوريثة السياسية لوالدها جاك ديلور، رئيس المفوضية الأوروبية في عهد ميتران، وزعيم تيار «اليسار الاجتماعي». بينما يمثل جان مارك إيرو الجناح اليساري للحزب الاشتراكي، وهو أقرب إلى توجه زعيم «جبهة اليسار»، جان لوك ميلانشون. أما بيار موسكوفيسي، فهو من أقطاب تيار «يسار الوسط»، الذي كان يتزعمه في السابق رئيس صندوق النقد الدولي المستقيل، دومينيك شتراوس ـــ كان، الذي أُقصي من السباق الرئاسي إثر فضيحة «سوفيتيل نيويورك»، الجنسية الشهيرة، في مثل هذه التفرة من العام الماضي.
ويرتقب أن تكون الشخصية التي سيزكيها الرئيس هولاند لرئاسة الحكومة المؤشر الأبرز الذي ستتوضح في ضوئه معالم التوجه السياسي والاقتصادي للعهد الجديد في فرنسا. وجرت الأعراف السياسية الفرنسية أن يحسم هذا الخيار خلال الأيام العشرة الموالية للاقتراع الرئاسي، التي تفصل الرئيس الفائز عن موعد التسلّم الفعلي لمقاليد الحكم. وإذا كان إيرو الأكثر قبولاً من بقية تشكيلات اليسار المتحالفة مع الحزب الاشتراكي، فإن أوبري تعد الشخصية التوفيقية القادرة على الجمع بين طموحات «شعب اليسار» في فرنسا، كما كان يسميه ميتران، وبين واجب ترشيد الإنفاق العمومي وضبط مشكلة المدينوية. أما موسكوفيسي، فتكمن ميزته الأساسية في القبول الذي يلقاه لدى الأوساط المالية، وفي هيئات الاتحاد الأوروبي التي عرفها عن قرب من خلال توليه منصب وزارة الشؤون الأوروبية، طوال أربع سنوات.
هناك إجماع لدى مختلف الأفرقاء اليساريين في فرنسا على أن الاقتصاد سيكون المحك الأساسي للتجربة الجديدة للحكم اليساري في فرنسا. وذلك ليس بسبب تحديات الأزمة الاقتصادية العالمية التي تعد المنطقة الأوروبية الأكثر تضرراً منها، بل أيضاً لتفادي أخطاء المضي، التي أدت إلى انهيار البرنامج الاقتصادي لحكومة ميتران الأولى (1981 _ 1983)، واضراره إلى التخلي عن الكثير من الوعود الاجتماعية التي تعهدها لشعب اليسار. ما أدى إلى بروز اليمين المتطرف، ثم إلى هزيمة اليسار، واضطرار ميتران إلى «مساكنة» اليمين الديغولي، خلال ولايته الرئاسية الثانية، من خلال تعيين جاك شيراك رئيساً للحكومة.
وقد عبّر هولاند في خطابه الأول في ساحة الباستيل، بعد فوزه بالرئاسة، عن اقتناعه بأن فوز اليسار في فرنسا سيطلق دينامية يسارية على الصعيد الأوروبي من أجل معالجة الأزمة الاقتصادية بسبل بديلة عن سياسات التقشف الليبرالية، التي اعتمدها خلفه ساركوزي، وذلك من خلال تعديل معاهدة الاستقرار الأوروبية، لجعل دعم التنمية والتشغيل المحورين الأبرز في أداء حكومات الاتحاد. ويعتقد الخبراء أن هولاند إذا نجح في فرض هذه الرؤية، خلال القمة الأوروبية التي ستعقد في شهر حزيران المقبل، فسيعالج إحدى الإشكاليات الأكثر تعقيداً في الإرث الساركوزي الثقيل.
أما على الصعيد الداخلي، فقد قال هولاند إنه سيضع حداً لحالة الاحتقان وتأليب الفرنسيين بعضهم على بعض أو على المقيمين الأجانب في البلاد، التي كانت سمة العهد الساركوزي، واعداً بأن تكون أولويته استعادة «وجه فرنسا الإنساني، القائم على أنموذج العدالة والتآخي ونبذ العنصرية».