نواكشوط | وسط أجواء توتُّر وحذر، هرب المئات من العرب والطوارق إلى مناطق الشمال الموريتاني، للاحتماء من المعارك الدائرة في الأزواد، والتصفيات العرقية التي استهدفت العشرات من سكان مالي من ذوي الأصول العربية والطوارقية. وكانت هذه الأعمال الانتقامية قد انطلقت يوم الخميس الماضي من العاصمة باماكو، لتنتقل بسرعة إلى مختلف المقاطعات المالية، وذلك على خلفية نداءات عنصرية طالبت عائلات أفراد الجيش المالي الذين قُتلوا في المواجهات مع ثوار الطوارق إلى «اجتثاث العرب والطوارق من الأراضي المالية»، انتقاماً لما يحدث من «تصفيات لأفراد الجيش» في مقاطعات الشمال التي تقطنها غالبية من قبائل الطوارق والعرب. واستنكر رئيس المكتب السياسي في «الحركة الوطنية لتحرير أزواد»، محمود آغ غالي، هذه الاعتداءات. وقال آغ غالي لـ«الأخبار» إنّ التظاهرات العرقية التي شهدتها العاصمة باماكو أفضت إلى مجازر عرقية، وكشف أن عمليات التخريب «لم تقتصر على البيوت والمحال التجارية، بل شملت أيضاً العديد من المؤسسات الاقتصادية والصحية التابعة لرجال أعمال عرب أو طوارق، من بينها مستشفيان كبيران في باماكو». كذلك اتهم آغ غالي الجيش المالي بـ«التحريض على هذه التصفيات العرقية، وبتعمُّد عدم التدخل لحماية الضحايا من المدنيين العزل».

وفي السياق، نقلت صحف محلية عن مصادر في الجيش المالي أن عناصر الجيش الذين ينحدرون من أصول طوارقية أو عربية «تنتابهم حالة من الذعر الشديد، نتيجة الأجواء العدائية التي تجعلهم يشعرون بأنهم مستهدَفون، الأمر الذي يهدّد بامتداد حالة الاحتقان العرقي إلى صفوف الحيش النظامي، ما سيؤدي إلى مزيد من المواجهات والانفلات الأمني».
حيال هذه التطورات الخطيرة، ناشد الرئيس المالي أمادو توماني توري، في خطاب متلفز، المواطنين الماليين من ذوي الأوصول الزنجية «عدم المساس بإخوتكم وجيرانكم وأبناء بلدكم من العرب والطوارق». وأشار إلى أن الأهالي العرب والطوارق المقيمين في مختلف المدن والأرياف المالية «لا مسؤولية لهم عن الأحداث الجارية في مناطق الشمال»، مشدداً على أن هؤلاء «مواطنون ماليون كغيرهم، ويقومون بأعمال جبارة في خدمة الوطن، من خلال الإسهام في مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية».
إلى ذلك، أدّى احتدام المعارك بين الجيش النظامي المالي وثوار الأزواد، في مناطق الشمال المالي المتاخمة لمدينة فصاله الموريتانية، إلى نزوح المئات من الضحايا والمشردين منذ بدء الصراع في الشهر الماضي. ومع تفجر أحداث العنف العرقي والعمليات الانتقامية التي تستهدف الطوارق والعرب، انضمّت إلى فلول النازحين العشرات من العائلات الهاربة من الملاحقات العنصرية، ومنها نحو خمسين أسرة نزحت من منطقة آدرس المالية، واستقرت في المناطق الريفية الموريتانية الواقعة على نحو 245 كيلومتراً إلى الجنوب من منطقة فصاله.
وروى عدد من النازحين الذين وصلوا إلى الأراضي الموريتانية، أول من أمس، أنهم فرّوا إثر انسحاب قوات الحرس والشرطة المالية التي كانت تتولى ضبط الأمن، والتي توجد مقارها في مدينة ليرة. وقال الشهود إن انسحاب تلك القوات تلته بعد ساعات قليلة «عمليات قصف عشوائية، ثم بدأت أعمال التخريب والانتقام العنصري». ولفتوا إلى أن مناشدات أعيان القبائل العربية والطوارقية لم تلقَ أي تجاوب من قبل السلطات التي انسحبت بالكامل من منطقة ليرة التي تحولت إلى مدينة أشباح»، على حدّ تعبير نازحين. وضع وصفه بوبكر ولد سيدي بأنه «مربك»، ودفعه «إلى الفرار نحو موريتانيا برفقة عائلتي، والتعجيل في مغادرة بلدتنا التي تعرضت للقصف وتحوّلت إلى مسرح للكرّ والفرّ بين قوات الجيش والثوار مقاتلي الطوارق». ويضيف بوبكر أنه نزح مع أسرته وأبناء إخوانه وكل ما استطاعوا نقله من ممتلكاتهم وأمتعتهم. ويصف الرجل أجواء الرعب التي رافقت نزوحه وأفراد عائلته بالقول «لقد تعرّضنا لمخاطر كثيرة أثناء اجتيازنا المسافة الفاصلة بين مدينتي ليرة المالية وفصاله الموريتانية، حيث كانت مواكب النازحين عرضة للعديد من المناوشات والهجمات العرقية».
ويُخشى أن تتفاقم الأوضاع الإنسانية للنازحين في المخيمات التي أُقيمت لاستقبالهم في موريتانيا، والتي تعاني من نقص حاد في مياه الشرب ووسائل التدفئة والرعاية الصحية. واعترفت السلطات الصحية الموريتانية بأنها تجد صعوبات كبيرة في احتواء الوضع الإنساني للاجئين، رغم أنها ألّفت لجاناً خاصة لإحصائهم وتقديم الإرشادات لهم وبعض المساعدات الأولية، ومعاينة أوضاعهم الصحية.
واستغرب المراقبون تأخُّر هيئات الإغاثة الدولية في التحرك للعناية بهؤلاء النازحين، وفقاً لما تنص عليه المواثيق الدولية، وخصوصاً أن الطقس في هذه الفترة من السنة شديد البرودة في مناطق الشرق الموريتاني التي نزح إليها هؤلاء اللاجئون.