حدث الشرق الأوسط في الإعلام الغربي لم يطرح فرضية «نهاية بشار الأسد» هذه المرّة بل «نهاية أردوغان». فجأة، بدأ الغرب يتنبّأ بنهاية حكم رئيس الوزراء التركي «الحليف» رجب طيب أردوغان على خلفية التوقيفات الأخيرة واستقالة الوزراء وكل ما يواكب ذلك من تحركات في الكواليس. النظرية الأكثر تفاؤلا ترى أن «الحلقة التي تحيط بأردوغان تضيق أكثر فأكثر» وتسأل عن إمكانية أن ينجح رئيس الوزراء هذه المرة بكسب التأييد الشعبي من خلال استخدامه نظرية «تعرّضه وتركيا لمؤامرة كبرى من قبل منظمات أجنبية» والتي يكررها دائماً.


وبغض النظر عن تفاوت التوقعات بنهاية حكم أردوغان أو بقائه، بدا هناك شبه إجماع على أن دور حليف واشنطن و«الأطلسي» في المنطقة المشتعلة سيتأثر بشكل كبير بسبب هذه «الخضة» السياسية.
«بينما ينشغل أردوغان بإنقاذ وجوده السياسي حالياً، ستوضع العلاقات التركية مع الغرب ودور تركيا في الشرق الأوسط قيد التساؤل»، يقول تيم أرانغو في «ذي نيويورك تايمز». ويذكّر بأن «الولايات المتحدة وأوروبا احتضنتا تركيا كقوة للاستقرار في المنطقة المضطربة». أرانغو يلفت الى أن التوقيفات الأخيرة لبعض الشخصيات المتموّلة المقرّبة من أردوغان «ضربت على الوتر الحساس عند عدد كبير من المواطنين الأتراك وخصوصاً من سكّان اسطنبول الذين كانوا يبدون امتعاضاً من نخبة من المتموّلين المتدينين الذين يديرون عجلة سريعة جداً من المشاريع الإنمائية في المدينة». لكن كل ذلك، حسب بيوتر زالويسكي، في مقال في مجلة «تايم»، لن يحسم مسألة إقصاء رئيس الوزراء، فمسألة التنحّي «ليست خياراً بالنسبة لأردوغان» بعد أن شهد عهده تطوراً وتنمية على مختلف الأصعدة وخصوصاً أنه ما زال يتمتّع بشعبية كبيرة في صفوف الأتراك. لكن، زالويسكي يشير الى أن «حزب العدالة والتنمية» الذي سعى منذ البداية الى تسويق صورة نقيّة بيضاء شفّافة عن نفسه سيفقد شيئاً من هالته، وإن الوصمة التي لحقت به الآن ستبقى في الأذهان لوقت طويل. وهنا يشير الكاتب الى صور الأموال التي وجدت مخبّاة في صناديق أحذية وفي خزنات من تمّت مداهمتهم من قبل الشرطة وهي صور لن تنسى بسهولة كما تهمة الفساد التي لطخت أخيراً سمعة الحزب «الأبيض النقيّ». لكن مقال «ذي تايم» يلفت الى أن بعض المحللين الأتراك يرون أن ما جرى في الأيام الأخيرة «لا علاقة له بملاحقة الفاسدين ومكافحة الفساد بل هو نتيجة للصراع القائم بين حاكم البلاد وأتباع فتح الله غولن الذين باتوا ألدّ أعدائه». اسم غولن «رجل الدين المنفي طوعاً الى بنسلفانيا في الولايات المتحدة» ذُكر في كافّة المقالات المتعلقة بالأحداث الأخيرة في تركيا. ومعظم التحليلات ربطت بينه «كصاحب نفوذ كبير في المجتمع وفي مؤسسة الشرطة» وبين حملات التوقيف الأخيرة. حتى أن شبكة «سي إن إن» الأميركية عنونت أحد مقالاتها على موقعها الالكتروني بـ«الاستقالات في تركيا: فساد أم صراع على السلطة مع رجل الدين الذي يعيش في الولايات المتحدة؟». معظم المقالات التحليلية أشارت الى الصراع السياسي والحزبي والاقتصادي بين أردوغان وغولن وركّزت على قدرات الرجل القابع في بنسلفانيا ونفوذه المتعاظم بين أتباعه المتديّنين الكارهين لأردوغان. هؤلاء يختلفون مع رئيس الوزراء حول مشاريعه الداخلية ويرفضون معظم سياسته الخارجية.
وانطلاقاً من هذا «الصراع بين الدولة والدولة العميقة» سألت مجلة «فورين بوليسي»: «هل هي نهاية أردوغان؟» وشرح الكاتب جون حنّا كيف أن الصراع على السلطة داخل «حزب العدالة والتنمية» بين تياري أردوغان وغولن قد يقضي على الحكومة الحالية وبالتالي على أردوغان. حنّا الذي يقول إن انتهاء حكم أردوغان بات «مجرد مسألة وقت» يشرح مدى قوة خصوم الأخير وعمق تمددهم داخل المجتمع (من خلال سلسلة مدارس وشركات وامبرطوريات إعلامية...) وتوغّلهم في مؤسسات الدولة والمؤسسات الأمنية إضافة الى شخصية غولن الكاريزماتية.
الى أين تتجه الأمور؟ وهل ستتطور سريعاً؟ يجمع الكتّاب أن الإجابات تبقى مفتوحة حتى الآن وأن معظم السيناريوهات مرتبطة بمدى استعداد الـ«غولينيين» للذهاب بعيداً هذه المرة، لكن الأمور تتجه «من سيئ الى أسوأ» يقول البعض خصوصاً مع اقتراب موعد الانتخابات البلدية في آذار المقبل.

يمكنكم متابعة صباح أيوب عبر تويتر | [email protected]