لندن | رجّح مصدر إيراني مطّلع أن يُمدَّد العمل ببنود اتفاق جنيف المؤقت بين طهران ومجموعة الدول الست (5+1»، وربما يُمَدَّد مرتين أو ثلاثاً قبل التوصل إلى اتفاق دائم، رغم تعبير وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، لنظيره الأميركي جون كيري، أمس، خلال اتصال هاتفي، عن «استياء» طهران إزاء قرار واشنطن توسيع لائحتها السوداء ضد بلاده.

وأكد المصدر أن الاتفاق جاء نتيجة مفاوضات سرية إيرانية أميركية انطلقت في عهد الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، مشيراً إلى وجود قنوات تفاوض متعددة كانت عُمان أبرزها.
وأضاف أن إيران لم تواجه صعوبة كبيرة في التوصل إلى تفاهم مع الأميركيين بشأن برنامجها النووي يأخذ في الاعتبار حق طهران في التخصيب والتطمينات بشأن سلمية البرنامج.
وكشف المصدر أنه بعد عدة جولات من المفاوضات، وفي إحدى مراحل التفاوض، أسرّ الأميركيون للإيرانيين بأن بعض الدول الخليجية هي التي تضغط على واشنطن للإبقاء على تشددها بشأن الملف النووي.
والاتفاق المؤقت ركّز على الملف النووي باعتباره أسهل الملفات الخلافية بين الطرفين، بحسب المصدر الذي أشار إلى أن هذا الاتفاق سيفتح المجال أمام البحث في الملفات الخلافية الأخرى.
وأوضح أن الولايات المتحدة وجدت الفرصة مناسبة الآن لعقد هذا الاتفاق لأسباب أساسية، أبرزها التغيير الذي أدخلته على استراتيجيتها، ويتمحور حول التركيز على جنوب شرق آسيا لمواجهة القوة الصينية الصاعدة، والتخفف من الملفات المربكة لها في منطقة الشرق الأوسط، وخصوصاً مع تقلص حاجتها إلى نفط المنطقة بعد اكتشاف النفط الصخري على أراضيها بكميات ضخمة.
ويبدو أن واشنطن قد توصلت إلى الاقتناع بأنها بحاجة إلى مساعدة إيران في إيجاد حلول للعديد من الملفات الحامية في الشرق الأوسط، مثل «الخروج الآمن» لقواتها من أفغانستان العام المقبل، تسوية الأزمة السورية والأزمة في لبنان، وذلك استناداً إلى سوابق من «التعاون» الموضعي كما في العراق وأفغانستان سابقاً، حسب رؤيته.
أما أهم العوامل الأخرى المساعدة في إبرام الاتفاق، فيرى أنه هذا التوافق على الخطر القديم الجديد الذي يمثله إرهاب الجماعات المسلحة المرتبطة بفكر «القاعدة»، موضحاً أن واشنطن توجه من خلال هذه الاتفاق أكثر من رسالة إلى السعودية وإسرائيل، وربما باكستان، وتوقع إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط في ضوء ذلك. فليس المقصود من الاتفاق تهميش السعودية بقدر ما يوجه رسالة لها بأن دعمها للجماعات المسلحة، وخصوصاً المرتبطة بفكر «القاعدة» في سوريا وباكستان، بات معزولاً، وخصوصاً بعد التوافق الأميركي الروسي على حل الأزمة السورية سياسياً.
والعزل، في رأيه، سينزع من يد السعودية ورقة أساسية خطيرة، هي الفتنة الطائفية التي تلوّح بها دائماً.
أما الرسالة الثانية للسعودية، فهي اقتصادية الطابع؛ إذ إن الاتفاق لا يسمح باستعادة طهران قدرتها على تصدير النفط فحسب، بل سيؤدي إلى تطوير قطاعها النفطي بما يزيد من قدرتها على إنتاج النفط والغاز وتصديرهما. وإذا أُضيفت إلى ذلك الزيادة المتوقعة في إنتاج النفط العراقي وتصديره، فالنتيجة التلقائية تقلص نسبة الصادرات النفطية السعودية، وتالياً تضاؤل قدرة الرياض في التأثير على السياسات الإقليمية أو الدولية لمصلحة خصومها المفترضين، إيران والعراق وحلفائهما.
فالاعتراض الخليجي على اتفاق جنيف لا مبرر له؛ إذ إن طهران لا تعتبر دول الخليج خصوماً لها، حتى ولو عادتها هذه الدول. ورؤية إيران الاستراتيجية تركز على أن جوهر الصراع هو مع القوى الكبرى، وخصوصاً الولايات المتحدة، حسبما يقول المصدر الإيراني.
وبينما أعلن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي أمس في بروكسل، استعداد بلادهم لتعليق عدد من العقوبات على إيران ما إن تتحقق الوكالة الدولية للطاقة الذرية من تطبيق طهران تعهداتها بموجب الاتفاق بشأن الملف النووي، أوضح المصدر الإيراني أن الاعتراض الغربي، وخصوصاً الفرنسي، على اتفاق جنيف له طابع اقتصادي بحت. فالغرب عموماً لا ينظر إلى دول العالم الأخرى إلا على أنها مستهلكة لمنتجاته، وليست شريكاً بأي حال.
ومعارضة الدول الغربية الكبرى للبرنامج النووي الإيراني سببها ليس الخشية من إنتاج سلاح نووي بقدر الخشية من خسارة واحدة من أهم عوامل سيطرتها على العالم، هو احتكار المعرفة، وخصوصاً للتكنولوجيا المعقدة وآلياتها، ولا سيما الصناعة النووية.
فإيران، بإصرارها على امتلاك الدورة الكاملة للوقود النووي، تضرب هذا الاحتكار الغربي بالصميم، وخصوصاً مع اكتسابها ميزة إضافية، هي امتلاكها اليورانيوم الخام.
أما إسرائيل، فيتوقع أن تواصل جهودها لعرقلة أي اتفاق إيراني غربي، لأنها «بدأت تفقد دورها الذي كانت تؤديه، وخصوصاً بتخويف العالم من إيران النووية. كذلك فإنها ستواجه استحقاقات قريباً، بدءاً من الإجابة عن موضوع برامجها النووية العسكرية، وليس انتهاءً بمنح الفلسطينيين حقوقهم».
ويلفت المصدر إلى أن «معظم القضايا الخلافية مع الولايات المتحدة يمكن التوصل إلى تسويات بشأنها باستثناء القضية الفسطينية، إذ إن العداء لإسرائيل مستحكم لدى كل الشعب الإيراني».
ويرجّح المصدر أن «تستمر إسرائيل في محاولاتها لعرقلة تنفيذ اتفاق جنيف المؤقت أو التوصل إلى اتفاق دائم، وقد تلجأ إلى افتعال أزمات لجر إيران إلى ردود فعل قد تطيح اتفاق جنيف، كالاغتيالات أو تنفيذ عمليات واتهام طهران بها».
وتوقع المصدر أن يفضي الاتفاق الدائم بين إيران والغرب، اذا ما تم، إلى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط.