«أكدت مؤسسة الجمهورية الفرنسية اليوم قوة مبدأ العلمانية»، هذا ما قاله ريتشارد مالكا محامي دار الحضانة الفرنسية التي كسبت منذ أيام حكماً يجيز فصل موظفة تعمل في دار حضانة أطفال بسبب ارتدائها الحجاب لتفصل بذلك في قضية شهدت جدلاً محتدماً بشأن الحقوق الدينية في الجمهورية الفرنسية. وجاء قرار المحكمة بينما يدافع محامون فرنسيون عن حظر النقاب في الأماكن العامة أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في ستراسبورغ. وسببت القضيتان انقساماً في الرأي العام الفرنسي حيث تحظى قرارات الحظر بتأييد واسع النطاق بين الفرنسيين لكن الكثير من المسلمين يرون أنها تستهدفهم بشكل مباشر وأنها تنطوي على تمييز. علماً أن أكبر جالية مسلمة في أوروبا تعيش في فرنسا ويقدّر عددها بنحو خمسة ملايين شخص.

وكان الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند قد أيّد في أول الأمر دعوات لتوسيع حظر الحجاب في القطاع العام ليشمل بعض الشركات الخاصة أيضاً بعد الجدل حول ما حدث في حضانة «بيبي لو» لكنه تراجع عن موقفه عندما حذّره مستشاروه القانونيون من أن هذا الأمر قد ينطوي على تمييز.
وكانت دار الحضانة الخاصة قد فصلت فاطمة عفيف في 2008 بعدما ارتدت الحجاب أثناء العمل رغم وجود قواعد للزي تمنع الملابس الدينية في الدار التي ترعى 55 طفلا من جنسيات مختلفة. ورغم انه لم يتم طي هذا الملف نهائياً بعد، فإن فرض أصحاب العمل في القطاع الخاص على الموظفين ارتداء ملابس لا توحي بأي رموز دينية، أصبح معمولا به في الوقت الراهن.
وإثر صدور الحكم في محكمة باريس، تخوّف خبراء من أن «يساهم هذا الحكم الحاسم في زيادة الضغوط على المسلمين في فرنسا على خلفية علاقات مشحونة أصلا».
وقال فرانك فريغوزي من «المركز الوطني للابحاث» إنه «تمّ تجاوز خط مهم إذ كان منع الرموز الدينية محصوراً بالقطاع العام حتى الآن». وأضاف أن «المشكلة هي أن عدداً من الأحداث الأخيرة بما فيها صرف الموظفة من دار الحضانة تعطي انطباعاً بأن الأمر موجّه حصرياً الى المسلمين».
يذكر أن من بين التطورات الاخيرة في هذا الاطار صدور «مذكرة لتطبيق مبادئ العلمانية في المدارس» في ايلول الماضي «للترويج بطريقة أفضل لمفهوم فصل الدين عن الدولة». وقال دليل بو بكر رئيس مجلس الديانة الاسلامية في فرنسا يومها إن 90% من مسلمي فرنسا الخمسة ملايين، سيعتبرون «أنهم مستهدفون» في هذا القرار.
وبحسب جان بوبورو الاستاذ الجامعي في شؤون الدين والعلمانية، فإن الحكم الذي صدر هذا الاسبوع في قضية الحضانة يشكّل «سابقة قانونية خطيرة». وأضاف أنه «باسم العلمانية تخلّينا عن حكم القوانين، والواقع ان العلمانية تستخدم للتستر على أمور اخرى ليست نبيلة». وتابع، «في الواقع ما نفعله هو إيجاد مفهوم جديد للعلمانية يكون أكثر قسوة على الإسلام من أي ديانة اخرى في حين أنه نظرياً وبموجب الدستور يجب التعامل مع كافة الديانات والأعراق بمساواة».
وفيما يشكّل مفهوم المدرسة العلمانية إحدى أهمّ ركائز الجمهورية الفرنسية، يتساءل النقّاد عن تماشي هذا النموذج مع فرنسا الحديثة المتعددة الثقافات ويتّهمون الحكومة بالكيل بمكيالين. كما يتساءلون عما اذا كان نظام مدرسي علماني سيلتزم بالأعياد المسيحية ويوزّع السمك يوم الجمعة في مطاعم المدارس تماشياً مع التقاليد الكاثوليكية.
كما أن هذا القانون يؤثر على طائفة السيخ التي يقدّر أتباعها في فرنسا بـ30 ألفاً، وذلك لجهة أن دين هؤلاء يفرض عليهم أن يغطي الذكور شعرهم في سن مبكرة.
وتزامن صدور قرار محكمة استئناف باريس مع بدء المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان، الأربعاء الماضي، بحث مسألة حظر النقاب في الأماكن العامة في فرنسا وما اذا كان يتناقض مع حرية العقيدة وذلك من خلال شكوى رفعتها شابة منقبة، الا ان المحكمة الأوروبية لن تصدر قرارها قبل عام 2014.
وفي القضية التي رفعت امام المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان في ستراسبورغ، دار النقاش حول الشكوى التي تقدمت بها فرنسية مسلمة ضد القانون الذي تم التصويت عليه في نهاية 2010 وينص على ان «لا يسمح لأحد بارتداء أي زي يخفي وجهه في مكان عام» تحت طائلة دفع غرامة لا تتجاوز 150 يورو او قضاء فترة خدمة مواطنة.
وتعترض المدعية التي عرفت بالاحرف الاولى من اسمها «اس آ اس» على القانون الفرنسي الذي دخل حيز التنفيذ في نيسان 2011 معتبرة أنه «ينتهك حقوقها الأساسية وخصوصاً حرية الفكر والعقيدة والتعبير والانتماء».
(أ ف ب، رويترز)