دخل تنظيم القاعدة مع بعض روافده التنظيمية على خط الأزمات المتصاعدة في العديد من بلدان آسيا وأفريقيا، ليحتل صدارة المشهد تارة كطريدة تتعرض للهجوم والخطف والقتل، وتارة أخرى كمهاجم دموي يهدد الأمن ويستنفر الجهود الأمنية والعسكرية الرسمية والأجنبية. فغداة خطف القيادي الليبي عبد الحميد الرقيعي (أبو أنس) على أيدي قوة أميركية خاصة اجتاحت طرابلس الغرب يوم السبت الماضي، ونقلت المتهم بالتورط في تفجيري كينيا وتنزانيا إلى سفينة حربية في عرض البحر للتحقيق معه ونقله الى الولايات المتحدة، دفعت السلطات التونسية بتعزيزات عسكرية وأمنية كبيرة إلى بلدة بن قردان الحدودية مع ليبيا.

ويبدو أن الهضبة الأفريقية المُسماة ليبيا قد تحولت في الشهور الأخيرة الى قاعدة للتنظيمات «الجهادية» القريبة او المتفرعة من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، إذ تحدثت تقارير عن تحركات وُصفت بـ«المريبة» لمسلحين ليبيين لهم صلة بتنظيم «أنصار الشريعة» السلفي «الجهادي» المحظور قرب الحدود مع تونس. وكانت تقارير قد أشارت في وقت سابق إلى أن هذه الميليشيات «تعتزم الهجوم على معبر «رأس جدير» بهدف السيطرة عليه»، وأخرى تحدثت عن استعدادات يقوم بها تنظيم «أنصار الشريعة» السلفي الجهادي التونسي المحظور لتنفيذ عمليات إرهابية داخل تونس انطلاقاً من الأراضي الليبية.
ويرى مسؤولون أمنيون أن جنوب ليبيا الذي يغيب عنه القانون بات أشبه بملاذ للمقاتلين المرتبطين بالقاعدة، بعد أن طردتهم قوات بقيادة فرنسا من معاقلهم في شمال مالي هذا العام، وقتلت مئات خلال الحملة التي شنتها هناك.
عمليات تتزامن مع استمرار ملاحقة الجيش التونسي لفلول «أنصار الشريعة» في جبل الشعانبي بالقرب من الحدود مع الجزائر.
وكان مسؤولون أمنيون جزائريون قد ألقوا باللوم على متشددين قالوا إنهم انطلقوا من ليبيا في الهجوم الذي وقع في كانون الثاني على محطة اميناس للغاز قرب الحدود الليبية، وقتلوا أكثر من 30 عاملاً أجنبياً، ما جعل شركات النفط الأجنبية تعيد النظر في عملياتها بشمال افريقيا.
وليس مصادفة أن يتبلور هذا الواقع بعد نحو أقل من أسبوع على تعرض السفارة الروسية في العاصمة الليبية لهجوم مسلّح على أيدي عناصر «جهادية»، وبعد نحو سنة ونيف من هجوم استهدف القنصلية الأميركية في بنغازي وأدى الى مقتل السفير الأميركي.
وزير الخارجية الأميركي جون كيري، أقرّ أمس، بأن اعتقال القيادي في تنظيم القاعدة في عملية خاصة أميركية هو «عمل قانوني» بعدما طالبت طرابلس بتوضيحات عن عملية «اختطاف».
والأنكى من ذلك أن العملية التي اخترقت سيادة دولة عربية لم تكن يتيمة، ففي الوقت نفسه كانت قوة أخرى من «المارينز» تنفّذ هجوماً فاشلاً على معقل لحركة الشباب الصومالية في مدينة باراوي في الصومال.
الهجوم استهدف القيادي في حركة الشباب، الكيني عبد القادر محمد عبد القادر، الصومالي الأصل، المعروف بلقب «عكرمة»، حسبما أعلن مسؤول اميركي رفيع المستوى أمس لوكالة «فرانس برس».
وعلى نفس خط الساحل الأفريقي، أطلق مسلّحون إسلاميون أمس قذائف على غاو كبرى مدن شمال مالي، بعد تسعة أيام على هجوم انتحاري في المدينة الكبرى الأخرى في المنطقة تمبكتو، حسبما أعلن مصدر عسكري لوكالة «فرانس برس».
وتثبت عمليات الاسلاميين المسلحين هذه أن قسماً منهم لا يزال ناشطاً في شمال مالي بالرغم من التدخل العسكري الفرنسي الافريقي الذي حضت عليه فرنسا في كانون الثاني لطردهم من المنطقة التي احتلوها عشرة اشهر وارتكبوا فيها الكثير من الانتهاكات باسم الشريعة.
وفي سياق متصل، نصحت الأمم المتحدة العاملين معها في اليمن التزام منازلهم بعد يوم من قيام مسلحين بقتل حارس أمن في السفارة الالمانية التي نفت مقتل السفيرة. وذلك بعد نحو شهرين من قيام السفارات الغربية الرئيسية في صنعاء بإغلاق ابوابها بسبب تهديدات بهجوم وشيك لـ«القاعدة».
الأهم من كل ذلك، أن ملاحقة قيادات القاعدة والنيل منهم خطفاً أو قتلاً بقذائف الطائرات والعمليات البرية كما حدث مع مؤسس التنظيم الراحل اسامة بن لادن في باكستان منذ عامين، لم يحد من نشاطه، بل جعل التنظيم يتغلغل ويفرّخ تنظيمات عديدة بأسماء مختلفة مناسبة لكل بلد أو منطقة يكونون فيها.
(الأخبار)