على الغلاف | ما الذي يحصل في أكبر اقتصاديات العالم؟ وهل ممكن أن تضع الخلافات السياسية بين الجمهوريين والديموقراطيين العالم أمام إمكانية الانهيار المالي مع كل ما له من تبعات على الأمن والسلام العالميين؟

الثلاثون من أيلول كان التاريخ الفصل للتوصل إلى تسوية بين الطرفين المتمثلين بمجلس النواب ومجلس الشيوخ. الأخير رفض موافقة مجلس النواب لتمويل خطة باراك أوباما المتعلقة بالرعاية الصحية، والتي عليها يُشترَط الموافقة على إقرار الميزانية.
الأزمة حتى الآن ليست نقصان الأموال التي تم التوافق عليها في الموازنة، إنما الخلاف على إصدار بنود الإنفاق بقوانين، وهذا ما يعترض عليه الجمهوريون خاصة في موضوع الرعاية الصحية للجميع.
أغلقت مكاتب الخدمات الحكومية غير الحيوية أبوابها للمرة الثامنة عشرة، كان آخرها سنة 1996. يُجمع الضالعون في الكواليس على أن أياماً قليلة كفيلة بتسوية الأزمة. لكن الأخطر هذه المرة أن تاريخ 17 تشرين الأول الحالي هو آخر يوم لإقرار قانون وضع سقف الاقتراض في السنة الحالية 16.7 تريليون دولار بعد أن كان 10.5 تريليون دولار قبل 5 سنوات. عدم إقرار هذا القانون سيضر بالاقتصاد الأميركي ويهزّ الثقة العالمية بسندات الخزينة الأميركية، التي تعتبر ميزاناً لأجود الأوراق المالية العالمية. مكتب الكونغرس المولج بالميزانية يقدر أن الخزينة ستستنزف آخر احتياطها النقدي بين 22 تشرين الأول وآخر الشهر، يتم بينها دفع 12 مليار دولار تأمينات اجتماعية و6 مليارات آخر الشهر فوائد دين خزينة. أي تأخير في إقرار قانون رفع سقف الاستدانة يضع الولايات المتحدة، القوة الاقتصادية الأولى في العالم، أمام احتمال التخلّف عن خدمة دينها أو سداد أصل الدين.
كل هذا بالرغم من الدعم اللامحدود للاحتياط الفيدرالي للحكومة من خلال شراء 85 مليار دولار شهرياً لسندات الخزينة، والذي كان من المتوقع أن يبدأ تخفيض تدخل البنك المركزي (الذي يعتبر المقرض الأخير في الأزمات). الواقع الحالي دفع البنك المركزي إلى الإعلان عن أنه لن يتوقف عن شراء السندات (بكلام آخر طبع عملة دفترية).
يجب الإشارة هنا إلى أن صرف أموال المتقاعدين والعناية الصحية لن يتأثر بـ«إغلاق الحكومة» كما حصل بين 1977 و1996 حيث استمرت الخدمات خلال 17 مرة إغلاق. ومن المتوقع أن يكلّف الإغلاق الحكومي 300 مليون دولار من الإنتاج الاقتصادي، وهو رقم غير كبير إذا كان لأيام مقارنة بحجم ناتج اقتصادي 12.7 تريليون دولار، ولكن الخسارة الكبرى هي في زعزعة الثقة التي هي أساسية في نفسية الإنفاق على مستوى الشركات والأفراد. وبحسب مركز ليكسينغتون، سينخفض النمو الاقتصادي 0.9% من 2.2% إذا استمر الإغلاق أكثر من 21 يوماً. بحساب بسيط، تدخل إلى الخزينة يومياً 7 مليارات دولار وتُنفق 10 مليارات، أي هناك حوالى 3 مليارات دولار عجزاً في اليوم.
لماذا هذا التدهور وهل من مخارج لهذا النمط المالي الانتحاري الذي بات كما الادمان على المخدرات؟ في يوم واحد يعلن عن: إغلاق الحكومة الأميركية، عودة الحديث عن سوء مالية إيطاليا (فضلاً عن عدم خروج إسبانيا واليونان من أزمتهما)، وتوقفت إحدى كبريات شركات البرازيل البترولية عن خدمة دينها (OEX).
سنة 1993 أقرّت اتفاقية ماستريخت للاتحاد الأوروبي، حددت بموجبها أن لا تتعدى نسبة عجز الموازنة إلى الناتج 3%، وأن لا ترتفع نسبة الدين إلى الناتج عن 55%. يمكن القول اليوم بثقة إن أكثر وأكبر الاقتصادات العالمية تخطت هذه النسبة بدون أية ضوابط كما كان الهدف حينها، وباتت الدول جميعها لا تنتقد بعضها البعض خوفاً من أن يشار إليها أيضاً، تماماً كشبهات الأخلاق.

ـ إدمان الاستدانة

ارتفع الدين الأميركي من 40% ليصل إلى 110% من الناتج القومي. هذه النسبة متواضعة مقارنة باليابان صاحبة امتياز أعلى نسبة في العالم (220%). أكثر الدول الصناعية تخطت 100% بعد أن كانت تحاضر على دول أميركا اللاتينية وتعيد هيكلة ديونها في السبعينيات والثمانينيات.
يُجمع الخبراء والمصرفيون المتجردون من الضغوط على أن الفساد المالي «المقونن» الذي مارسه النظام الرأسمالي هو السبب الرئيسي وراء تردي ماليات أكثر الدول في العالم وكذلك الشركات. فمنذ الثمانينيات وإلغاء القيود على التعاملات المالية وخاصة الإقراض والاقتراض وفصل المصارف الاستثمارية عن المصارف التجارية التقليدية، دخلت أكثر الدول والشركات في حالة إدمان على الاستدانة بتشجيع وتسهيل من المصارف والمصرفيين تماماً كما يمارس مروّجو المخدرات. لم تعد هناك حدود وضوابط للتسليف لنسب الانهيار المالي الذي وضع الاقتصاد العالمي على شفير الهاوية سنة 2008. كل الحكومات غرقت في الوسخ نفسه مما جعل هروب الرساميل من عملة إلى أخرى أو من اقتصاد إلى آخر غير ذي جدوى ضمن الرأسمالية التقليدية. استفادت من هذا الواقع الجديد المتردي الدول الناشئة وعلى رأسها دول البريكس ومعها العديد من الدول الآسيوية واللاتينية وحتى الأفريقية. لم تعد الدول الكبرى تتحمل ارتفاع الفوائد التي انخفضت إلى حدود الصفر وهي اليوم أسيرة لعدم ارتفاعها لما لها من تأثير على موازناتها. ولكن في المقابل، أصبحت إمكانية استداناتها أصعب نتيجة ضعف العائد. لذلك اضطرّت أكثر المصارف المركزية إلى طبع كتل نقدية لا سابق لها ودخل العالم في حلقة مفرغة من الاستدانة، والاستدانة لرفع الفوائد. ويُجمع المتجرّدون على أن كل هذه الإجراءات لم تؤثر إلا للتضميد وشراء الوقت، وأن الحكومات خاصة باتت أسيرة الاستدانة. فلا أحد من السياسيين في العالم يتجرأ على اتخاذ قرارات غير شعبية لضغط الموازنة، وبات هدفها جميعاً تخفيض العجز لا إزالته، أي استدانة جديدة وديناً فوق الدين.
قد تكون بعض الدول في وضع أفضل من غيرها كسنغافورة وماليزيا وتايوان والصين والدول الاسكندينافية، ولكن تدهور الأوضاع المالية في دول رئيسية كأوروبا والولايات المتحدة يضع العالم أجمع أمام أخطار محدقة لانهيار عالمي قد يزعزع السلام العالمي. فالعولمة الطارئة التي روّج لها النظام الرأسمالي اللامحدود الليبرالية جعلت العالم يهتزّ عند أي أزمة محلية كانهيار مصرف «ليمان» او تخلّف اليونان، وجعل العالم أيضاً ينتظر الإعلان عن انخفاض أو ارتفاع نسبة النمو في الصين التي أصبحت القاطرة الإنتاجية الأولى التي إنْ تباطأ النمو فيها لأصاب العالم بأنفلونزا، خاصة أنها تملك 3 تريليونات دولار سندات خزينة في الولايات المتحدة وحدها فضلاً عن أموالها في أوروبا وأميركا.
لم تتعلم الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة المفترض بها أن تعلّم دروساً لغيرها؛ فتجربة أميركا اللاتينية لم يتعدَّ عمرها 30 سنة وجاءت الانهيارات وراءها من أزمة المكسيك سنة 1995 وروسيا سنة 1998 والأرجنتين سنة 1999 والبرازيل سنة 2000 وانهيار سوق الالكترونيات سنة 2001 إلى انهيار 2008، والمخيف أن تقديرات المديونية لهذه الدول في حال أضيفت إليها استحقاقات الشيخوخة والضمان (وأكثرها تنخفض فيها معدلات الولادة) ترفعها إلى ما بين 400 _ 700% من الناتج القومي.
في نظر المتابعين، ستؤدي هذه الوتيرة من الإدمان على الاستدانة إلى تخلّف بعض الدول أو الشركات عن خدمة ديوانها، بينما يستمر بعض المصارف الاستثمارية بإصدار السندات كوسطاء للعديد منها وإلى تدني مستوى المخاطرة من رئيسي (senior) إلى ثانوي (Sub-redinated).
بعض المتابعين لتفاصيل الأزمة الأميركية يدعون إلى اتخاذ إجراءات جذرية للانكفاء إلى الداخل واستجلاب الأموال الأميركية الموجودة في جنات ضريبية. ويدعو هؤلاء المتابعون الحكومة الأميركية إلى إصدار حوافز ضريبية من أجل عودة بعض هذه الأموال التي تقدّر بـ1.42 تريليون دولار تملك منها خمس شركات هي Apple وMicrosoft وPfizer وGoogle وCwco 347 مليار دولار، مما يخلق فرص عمل ويدفع العجلة الإنتاجية. ولكن يبقى هذا نظرياً حتى حصوله، وبالتالي قد تصل المديونية إلى ما يفوق 20 تريليون دولار خلال السنوات الثلاث المقبلة.
في الاستنتاج، ستنعكس هذه التغيّرات في الواقع المالي لدولة كالولايات المتحدة وحليفتها أوروبا على خريطة النفوذ السياسي العالمية في ضوء الصعود للمحور الجديد المتمثّل بروسيا والصين ودول البريكس وحلفائهم.. ولا ترفض معاهدة مالية عالمية تضع ضوابط للمديونية قائمة على نسب ومعايير لا يمكن تخطيها بعد هيكلة مديونية المتعثرين.