هي أصابع رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان الأربعة التي أشعلت غضب الشارع المصري المعارض لجماعة «الإخوان المسلمين». أربعة أصابع رفعها أردوغان متضامناً مع متظاهري «رابعة العدويّة»، المناصرين للرئيس المعزول محمد مرسي، ومن الممكن أن تكلّف بلاده اليوم غالياً على الصّعيد الاقتصادي، وخصوصاً بعد إعلان غرفة التجارة المصرية مقاطعة جميع البضائع التركية؛ إذ إنّ التبادل التجاري بين البلدين بلغ في العام الماضي 5 مليارات دولار؛ 3.5 منها صادرات قادمة من تركيا ومليار ونصف مليار دولار في الاتجاه المعاكس.


اتخذت الصحف المصرية لنفسها دوراً أساسياً في تعبئة الشارع المصري ضدّ المصالح التركية، وقد علت نبرة الانتقادات الموجّهة إلى أردوغان بالتّحديد بعد تصريحات الأخير القاسية بحق إمام الأزهر الشيخ أحمد الطيب في أواخر شهر آب الماضي، ما عدّه المصريون إهانةً لمصر بأكملها. ودعت عقب هذه التصريحات إلى مقاطعة مصالح المستثمرين الأتراك المتمركزين في مصر، وهو ما من شأنه أن يشكّل ضربة موجعة للمصالح التركية؛ فالاستثمارات التركية على الأراضي المصرية كانت قد شهدت ازدياداً ملحوظاً خلال السنوات القليلة الماضية، تُوّجت بتوقيع 27 اتفاقية تعاون اقتصادي وتعليمي وصحي.
وتجدر الإشارة الى أنّ لتركيا ما يقارب 280 شركة في مصر تبلغ استثماراتها نحو 1.5 مليارات دولار. على سبيل المثال، تسيطر شركات تركيّة على نحو 49.4 في المئة من قطاع صناعة النّسيج المصري، وهي لا تبحث خيارَ نقل مصانعها إلى تركيا، إذ إن العودة إلى الوطن تعني دفع مرتّباتٍ أعلى؛ فالنمّو الذي شهدته تركيا خلال الأعوام الماضية أدّى إلى ارتفاع مستوى المعيشة، فيما يتقاضى العامل المصري أقل من نصف ما يتقاضاه نظيره التركي. كذلك تستفيد الشركات التركية من الاتفاقيات المبرمة بين مصر والاتحاد الأوروبي، التي تسمح لمصر بإدخال منسوجاتها إلى أوروبا بلا تكاليف جمركية.
ويتهم المستثمرون المصريون الشركات التركية باحتكار هذا القطاع، وهم بالتأكيد سيدعمون دعوات المقاطعة، حالهم حال مستثمري قطاع الحديد المصري، الذين يعانون بدورهم من المنافسة التركية. وإثر هذه الدعوات المصرية المنادية بالمقاطعة، توجّه عدد من التجار ورجال الأعمال الأتراك إلى مصر لتدارك الأوضاع وحصر الخلاف الحاصل بالسياسة فقط دون التعرّض لمصالح الشعبين الاقتصاديّة.
هذه المخاوف التركيّة تقلّل من صدقية الصورة التي أعطتها الحكومة التركية عن اقتصادها كاقتصادٍ متين مساوٍ لاقتصادات دول الاتحاد الأوروبي؛ فعلى الرغم من التحسن الملحوظ لتركيا على الصعيد المالي، غير أنها لا تزال عرضةً للاهتزازات، وقد تبيّن هذا الأمر خلال تظاهرات اسطنبول الأخيرة التي تركت أثراً سلبياً واضحاً على بورصتها، حيث عانى مؤشّر بورصة إسطنبول للأوراق المالية من تراجع بنسبة 10.5 في المئة. وفي الوقت الحالي، لا ينقص الاقتصاد التركي انتكاسة أخرى من هذا النوع، وخصوصاً إذا ما أخذنا في الاعتبار المبالغ الطائلة التي تدرّها هذه الاستثمارات على الشركات التركية والأثر الكارثي لخسارتها.
وفي خضمّ هذا السجال القائم، تبرز مجموعة أخرى من التجار الأتراك التي تقلل من أهمية تحركات كهذه، مشيرين إلى أنها لا تتجاوز كونها قنبلة صوتية سرعان ما سيخفت صداها وتعود المياه إلى مجراها الطبيعي بين البلدين، مبرّرين ذلك بالعلاقات المميزة التي تجمع الشعبين التركي والمصري.
على المستوى الداخلي، لم يسلم أردوغان من ردّ فعل شارعه؛ فسياسته المسماة «صفر مشاكل» التي روّج لها وزير خارجيته، مهندس السياسة الخارجية لتركيا، أحمد داوود أوغلو، منذ تسلمه لمهماته في عام 2009، باتت نكتة سمجة لدى الأتراك، حيث بدا وكأنّ الحكومة التركية تعمل تماماً بعكس هذه السياسة؛ فعلاقاتها مع الدول المؤثرة في المنطقة شهدت تدهوراً كبيراً، حيث توتّرت علاقاتها مع إسرائيل بعد حادثة السّفينة التركية مرمرة، ومع إيران على خلفية الصراع الدائر في سوريا، ومع مصر بعد إطاحة الرئيس محمد مرسي، هذا فضلاً عن سوريا، التي بادرت تركيا إلى قطع العلاقات معها في حزيران 2011.
انعكست كل هذه المشاكل سلباً على شعبيّة أردوغان، وانخفضت نسبة التأييد الشعبي له من 62.3 في المئة في كانون الأول الماضي إلى 53.5 في المئة في حزيران من هذا العام، بحسب مركز «سونار» للأبحاث. وإذا استمر الوضع على هذا النحو، يخاطر أردوغان بفقدان مركزه في حزب «العدالة والتنمية» مرشحاً أول لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة في عام 2015. كذلك فإن تصريحاته النّارية أدت إلى نزول نسب التأييد الشعبي للحزب من 53.2 في المئة في تموز 2012 إلى 44.1 في المئة في الشهر نفسه من عام 2013، بحسب المركز نفسه.
غير أن الغريب في الأمر هو عدم وجود أي تقدّم ملحوظ لأحزاب المعارضة التركية على السّاحة الداخلية، حيث تتركز جهودها على حشد الدعم الدبلوماسي الغربي في صفها، متناسيةً مطالب الشعب الذي يتهمها بالوقوف إلى جانب الطبقة العليا من المجتمع، ومحاولتها إعطاء الجيش التركي امتيازات أكثر من تلك التي يحتاجها. لذلك، على الرغم من انخفاض مستوى الدعم الشعبي لحزب «العدالة والتنمية»، غير أنه لا يزال في مأمن من أية مفاجآت غير سارة في الانتخابات القادمة.
في ظلّ هذه المشاكل التي تتهدد الاقتصاد التركي، وعدم وجود بوادر تهدئة بين الحكومة التركية وخصومها الذين يتزايدون، والغياب شبه التام لحركة معارضة تركية فاعلة، يجد الشعب التركي نفسه أعزل في مهبّ الأزمات التي تعصف بالمنطقة. وهم الذين كانوا يمنّون النّفس بدخول الاتحاد الأوروبي، باتوا الآن يصلّون للخروج بأقلّ الخسائر الممكنة من تلك المغامرات التي زجّهم بها أردوغان.