تظهر المذيعة الخمسينية بهندام كلاسيكي محتشم أو بالزيّ الكوري الشمالي التقليدي، بمكياج خفيف و«جدّي» من استوديو التلفزيون الوطني. تبدأ بقراءة الخبر بنبرة خطابية حماسية. اللغة كورية شمالية ومن دون ترجمة، لكن إذا ارتسمت ابتسامة طفولية على وجهها يمكن أن تستنتج أن الخبر المُذاع هو عن «قائد الأمة» كيم جونغ أون. أما اذا تابعت بنبرة حادة، فيكون الحدث إطلاق صاروخ نووي. هكذا، باتت المذيعات الكوريات فجأة وجوهاً مألوفة على شاشاتنا الالكترونية. وهكذا بات بإمكان الجميع متابعة نشاطات الزعيم الكوري وأخبار بلاده، كما يريد هو أن تصل الى العالم.


أرادت كوريا الشمالية أخيراً استخدام الإعلام المعولم كي تبث رسائلها الى «أعدائها» باللغة التي يفهمها الجميع. أشرطة مصورة نشرت في الأشهر الماضية على موقع «يوتيوب» لفتت أنظار المسؤولين الاميركيين من أعلى المستويات، وشغلت الإعلام العالمي. البعض سخر مما وصفه «بحملة بروباغندية فاشلة»، والبعض الآخر هاله ظهور النظام الديكتاتوري فجأة على شاشات العالم، بصورة حديثة، متوعداً على الملأ استهداف أمن الولايات المتحدة.
تحولت محطة Uriminzokkiri (والكلمة تعني «أمّتنا»)، على موقع «يوتيوب»، الى مركز بث أشرطة فيديو ينفذها النظام الكوري الشمالي. مقاطع من نشرات أخبار التلفزيون الرسمي باللغة الكورية، تحقيقات عن المصانع الكورية تظهر تطور انتاجيتها، واخرى تستعرض إنجازات البلاد الصناعية ونمط حياة سكانها ونشاطاتهم، واخرى تواكب زيارة الزعيم كيم جونغ أون الى الجبهات الحدودية وتفقد الجنود هناك... والرسالة في كل الأشرطة واضحة: نحن نموذج الأمّة القوية السيّدة، وما زلنا في حالة حرب مع رأس النظام الرأسمالي الولايات المتحدة وحلفائها، وفي مقدمتهم كوريا الجنوبية. ومنذ شهر شباط الماضي، تكثّفت الأشرطة التي تحمل رسالة مباشرة ضد الولايات المتحدة ورئيسها. مشاهد ممنتجة أظهرت استهداف مدينة نيويورك والبيت الأبيض بصواريخ كورية شمالية. في أحد تلك الاشرطة، بعنوان «كل شيء يشتعل» يتحدث كوري شمالي عن حلم راوده حيث كان «على متن صاروخ «أونها 9» وقصف مدينة نيويورك التي اشتعلت بالكامل وتصاعدت منها أعمدة دخان سوداء». صوت المعلق في الشريط يقول «إن وكر الشيطان الذي لطالما تسبب بالحروب والغزوات اشتعل بالنيران التي أطلقناها».
ويتابع «يمكنني رؤية العالم الحرّ والمسالم يبارك مركبتنا الفضائية». وفي شريط آخر بعنوان «نهاية العالم النووية»، يشرح النظام للعالم أن الولايات المتحدة التي تتسبب بحروب ظالمة حول العالم، ستدمر بواسطة صاروخ نووي كوري.

نيويورك تحترق بعد استهدافها بصاروخ كوري شمالي




ومنذ أيام، بثّت المحطة الكورية الشمالية على «يوتيوب» شريطاً مدته دقيقة وعشرون ثانية يظهر سيناريو هجوم القوات الشمالية على كوريا الجنوبية، وتوحيد الكوريتين خلال 3 أيام. الشريط يشرح مراحل عملية «التوحيد» تلك، ويفصّل أنه «في اليوم الاول، وبعد إصدار القرار، تطلق كوريا الشمالية 250 ألف صاروخ بعيد المدى، وألف صاروخ أرض ــ أرض على كوريا الجنوبية والقواعد الاميركية في المحيط الهادئ خلال النصف ساعة الأولى». ويتابع الشريط، «حوالى 50 ألف جندي سينفذون هجوماً مفاجئاً على الاراضي الكورية الجنوبية، وعلى القواعد الجوية والبحرية والصاروخية الاميركية». ثم يشير الشريط الى أسر 150 ألف جندي أميركي كـ «سجناء حرب».

سيناريو الهجوم على كوريا الجنوبية وتوحيد الكوريتين




وعندما قرر أون زيارة جنوده على إحدى الجبهات الاستراتيجية قبالة كوريا الجنوبية، رافقته كاميرا خاصة على زورقه وخلال جولته على القاعدة العسكرية. مشاهد الجنود يركضون لاستقباله مع نسائهم وأطفالهم، ويطلقون صيحات التأييد والنصر، جالت حول العالم خلال دقائق قليلة.
خطوة نقل البروباغندا من الداخل الكوري الى الخارج لتصل الى العالم بأسره، بدأت مع الزعيم السابق كيم جونغ إيل. في عام 2003 ابتُكر موقع Uriminzokkiri الإخباري، الذي توسّع عام 2010 ليشمل مواقع «تويتر» و«فايسبوك» و«فليكر» و«يوتيوب». تلك الخطوة استكملت مع الزعيم الحالي كيم جونغ أون. القائد الشاب (30 عاماً) أظهر للعالم أنه من السهل جدا أن تستخدم وسائل التواصل الحديثة لنشر الدعاية الحربية والسياسية، حتى لو كانت كوريا نفسها خارج الشبكة العنكبوتية.
أون، حافظ على مضمون الرسائل التي نشرت في عهد والده وجدّه، لكنه غيّر في شكل الوسيلة لتخاطب أكبر عدد من الناس. هكذا بات إطلاق صاروخ الى الفضاء أو نجاح تجربة نووية حربية يرفق بشريط عن الحدث يمكن أن يراه المسؤولون والمواطنون حول العالم من خلال «يوتيوب». التصعيد السياسي تجاه كوريا الجنوبية لم يعد يقتصر على الخطابات والمواقف المنصوصة فقط، بل بات أيضاً ينشر بالصوت والصورة على أحد أكثر المواقع انتشاراً في العالم.
الإعلام الغربي بمعظمه، تابع تطورات الحملة الدعائية عن قرب. البعض وصف المجاهرة الكورية باستهداف المواقع الاميركية بـ «الجنون»، والبعض الآخر أبدى قلقاً من «عدم تغيّر الخطاب الكوري الشمالي العدائي تجاه أميركا والغرب».
وفي هذا الإطار، يجدر التذكير بأن بعض الصحافيين والمسؤولين الغربيين شككوا في قدرة القائد الكوري الشاب على تستلم الحكم وإكمال مسيرة أسلافه، وآخرون قالوا إنه «يافع ولن يصمد» أو «قد ينفتح على الانظمة الغربية ويتصالح مع الولايات المتحدة»، لكن، أون، ماضٍ حتى الآن بإثبات عكس ما تنبّأ به هؤلاء. وها هو يطلق شكلاً جديداً من الخطاب الكوري الشمالي، ويعتمد طريقة ذكية لنشر أفكار «أمّته».
ماذا بعد الحملة البروباغندية؟ يرى بعض المحللين الإعلاميين أن مهمة واشنطن الدعائية باتت أصعب الآن بعدما «كسرت كوريا الشمالية عزلتها بنفسها، أقلّه على الصعيد الإعلامي».



مليونا مشاهَدة على «يوتيوب»

سجّل موقع Uriminzokkiri الإخباري منذ إطلاقه إقبالاً كثيفاً على شبكة الانترنت. فحساب الشبكة الإخبارية الكورية الشمالية على موقع «تويتر» يسجّل الآن 13،087 متابعاً. أما الأشرطة التي تبثّ على القناة الخاصة بالموقع على «يوتيوب»، فتتفاوت نسبة مشاهداتها. الشريط الأخير الذي يصور سيناريو الهجوم على كوريا الجنوبية واعتقال أميركيين وتدمير قواعدهم العسكرية، حقق نحو مليوني مشاهدة. وشريط المقاربة الكورية الشمالية للولايات المتحدة على أنها بلاد غزوات واستقواء على العالم، حقق أكثر من 124 ألف مشاهدة. أما شريط المصانع الكورية والمقابلات مع رؤساء الوحدات الانتاجية والعمّال، فحقق نحو 3500 مشاهدة.
يذكر أنه بعيد إطلاق صفحة Uriminzokkiri على «فايسبوك»، أوقفت إدارة موقع التواصل الصفحة بحجة أنها «تخالف أحد شروط استخدام فايسبوك». ليتضح في ما بعد أن المقطع 16 من شروط استخدام «فايسبوك» يمنع أي جهة تقاطعها الولايات المتحدة من استخدام الموقع. وكوريا الشمالية تتصدر لائحة الدول المحظورة سياسياً واقتصادياً لدى واشنطن.

شريط عن أحوال الصناعة في كوريا الشمالية