إسطنبول | في أغرب معادلة وضعها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، سمحت السلطات التركية لعشرات الآلاف من الأكراد في مدينة دياربكر بتشييع جنازة الناشطات الكرديات الثلاث، وإحداهن من مؤسسي حزب العمال الكردستاني، واللاتي تم اغتيالهن في العاصمة الفرنسية باريس في 9 كانون الحالي. غير أن سلطات الأمن التركية اتّخذت تدابير مشددة في مدينة ديار بكر (جنوب شرق)، عاصمة كردستان تركيا، في إطار الاتفاق مع حزب السلام والديموقراطية (الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني).

سبق هذا التشييع قصف جوي من الطائرات التركية لمواقع ومخيمات الحزب الكردستاني في شمال العراق، في محاولة من الحكومة لإقناع الرأي العام الداخلي القومي بأن الحرب ضد «الإرهاب» الكردستاني مستمرة حتى لو سمحت هذه الحكومة لقادة هذا التنظيم «الإرهابي» بأن يُدفنوا في مراسم شعبية كبيرة في تركيا.
قادة الحزب الكردي في تركيا ناشدوا المشاركين في التشييع عدم رفع صور زعيم حزب العمال المُعتقل لدى السلطات التركية منذ العام 1999، عبد الله أوجلان وأعلام الحزب. وهو ما يحدث لأول مرة في تظاهرة كردية. وبالفعل تجمّع عشرات الالاف أمس في إحدى ساحات أكبر مدينة كردية في تركيا، دياربكر، واضعين بغالبيتهم غطاء رأس أبيض رمزاً للسلام.
وشيع موكب كثيف نعوش الضحايا الثلاث، وبينهن سكينة كانسز (55 عاماً)، إحدى مؤسسي حزب العمال العام 1978 ومقربة من أوجلان، الى احدى الساحات حيث سجيت على منصات صغيرة امام حشد قدر بنحو 200 الف شخص، حسبما أفاد المنظّمون. وتصدرت النساء الموكب وهتفن «الشهداء خالدون». ولم يردد المتظاهرون أي هتافات «متطرفة» قد تستفز مشاعر القوى القومية التركية. فقد منعت الحكومة وسائل الإعلام التركية ومواقع الإنترنت من نقل وقائع التشييع على الهواء مباشرة، خلافاً لما كانت تفعله محطات التلفزيون عادة في مثل هذه الحالات.
في هذا الوقت كان وفدٌ من لجنة حقوق الإنسان الأوروبية يجتمع مع أوجلان ويستفسر منه عن وضعه وظروفه المعيشية اليومية داخل السجن. وفيما يستمر الحديث في الإعلام التركي عن استمرار الحوار السري بين الحكومة وزعيم حزب العمال من أجل التوصل إلى حل نهائي للمشكلة الكردية من خلال صفقة سرية تخدم أهداف ومصالح الطرفين، يطالب أوجلان بإخلاء سبيله في إطار عفو عام شامل تصدره الحكومة عن جميع قيادات وعناصر وأنصار وأتباع الحزب الكردستاني، ليكون ذلك الشرط الأساسي لإصدار تعليماته لمسلحي الحزب حتى يوقفوا العمل المسلح ضد تركيا بشكل نهائي. ذلك يتم على أن تكون المطالب السياسية مثل الاعتراف بالهوية الكردية دستورياً والحكم الذاتي للأكراد، قضايا تجري مناقشتها لاحقاً بين حزب العمال والحكومة التركية التي استطاعت من خلال وسائل الإعلام الموالية لها أن تقنع غالبية الشعب التركي بأن الحل السياسي للمشكلة الكردية ضروري وملح ويخدم المصالح الوطنية والقومية للدولة والأمة التركية.
فجميع استطلاعات الرأي المستقلة أثبتت أن غالبية الشعب التركي لن يتقبّل بسهولة إخلاء سبيل عبد الله أوجلان وإصدار عفو عن الحزب الكردستاني، ما يعني مستقبلاً أن أوجلان سيتحول إلى شخصية مهمة في الحياة السياسية الكردية، بل وحتى التركية، لا سيما إذا منحت الحكومة التركية الأكراد حكماً ذاتياً جنوب شرق البلاد، في إطار الخطة التركية الشاملة الخاصة بمعالجة المشكلة الكردية أقليمياً.
وفي هذا السياق، تحدثت المعلومات الصحافية والأوساط السياسية أكثر من مرة عن مشروع تركي لمعالجة المشكلة الكردية بهذه السرعة لمواجهة أي احتمالات في سوريا، حيث يعيش الأكراد هناك أيضاً، وخصوصاً أن حزب الاتحاد الديموقراطي الكردستاني السوري المتضامن مع حزب العمال الكردستاني التركي، هو المسيطر على المناطق الكردية السورية المُتاخمة للمناطق الكردية التركية وشمال العراق. هذا ما يفسر التحالف الاستراتيجي بين أنقرة وكل من الزعيمين الكرديين مسعود البرزاني وجلال الطالباني، من أجل التأثير على الشارع الكردي في سوريا. وذلك في محاولة منهما لإقناع هذا الشارع بضرورة التعاون والتقارب مع تركيا «الديموقراطية العضو في الحلف الأطلسي والمرشحة للاتحاد الأوروبي»، والتي قدّمت وتُقدّم كافة أنواع الدعم لإقليم كردستان العراق منذ قيامه عام 1991 وبشكل خاص بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، وربحت من ذلك المليارات من الدولارات تجارياً ونفطياً. وتحولت أنقرة بذلك الى لاعب أساسي في الشأن العراقي الداخلي أيضاً من خلال التحالف مع البرزاني والطالباني بعد أن احتضنت نائب الرئيس العراقي «السني» طارق الهاشمي أيضاً. في الوقت الذي يعرف فيه الجميع أن تحركات أردوغان على الصعيد الكردي داخلياً وخارجياً يأتي أيضاً في إطار الحوار والتنسيق الشامل مع الحليف الأهم واشنطن، التي سيزورها أردوغان الشهر المقبل لبحث مجمل السناريوهات المسقبلية الخاصة بالقضية الكردية تركيا وسوريا. وهو ما يفسر استضافة الدوحة بدروها الإقليمي الجديد نهاية الأسبوع الماضي مؤتمراً إقليمياً عن القضية الكردية بالتنسيق والتعاون مع مراكز دراسات تركية وأميركية.
وتشير المعلومات إلى توقعات بتحركات ساخنة في المناطق الكردية الإيرانية أيضاً مع اقتراب موعد انتخابات الرئاسة هناك. ما يدفع أنقرة إلى مزيد من التحرك الجاد والسريع إلى احتضان أكراد المنطقة في إطار مشاعر الإخاء الإسلامي، كما كان في العهد العثماني. حتى لو كان هذا الإخاء تحت مظلة تركية مقبولة عربياً وإسلامياً كما هو الحال بالنسبة لقبول الإخوان المسلمين في دول «الربيع العربي» بالنموذج التركي سياسياً وعقائدياً، أي الإسلام الديموقراطي المُعتدل، أي المنسجم مع المصالح والأهداف والمشاريع الأميركية.