تسري منذ فترة نكتة ذكية في روسيا: «ما المشترك بين الرئيس فلاديمير بوتين والروبل وسعر برميل النفط؟» تسأل المزحة، ليأتي الجواب: الثلاثة سيُصبحون عند 63 هذا العام!

بالنسبة إلى سيد الكرملن، هذا الرقم هو بالسنوات، وبالنسبة إلى سعر برميل الخام هو بالدولار الأميركي، أما إلى العملة الروسية فهو معدّل صرفها أمام الدولار. وفي الحالات الثلاث الخبر ليس جيداً.

في الواقع إنها نكتة سمجة ومؤلمة للاتحاد الروسي، وإن كانت صحيحة على نطاق واسع. تتداول في وقت تتنعّم فيه الولايات المتّحدة – العدو اللدود في الغرب – بسخاء الطبيعة والتكنولوجيا، فيما تستعد روسيا لركود حادّ، خلال العام المقبل، قد يؤدي إلى تقلّص اقتصادها بنسبة 2%، في ظل هبوط سعر صرف عملتها أمام الدولار دون الحاجز النفسي البالغ 50 روبلاً لكل دولار.
يلعب تراجع سعر برميل النفط، الدور الحاسم في هذه المعادلة الروسية المؤلمة. فقد هوى السعر هذا العام بنسبة 40% تقريباً. وحالياً ترى السعودية أنّ السعر سيستقر قريباً عند 60 دولاراً للبرميل، أي أقل من الحد الأدنى الذي تحتاج إليه روسيا بمعدّل الثلث، وما يعادل 40% فقط من المستوى القياسي الذي بلغه في عام 2008.
أمام هذا الشتاء الروسي الصعب، تضحك الولايات المتّحدة والسعودية. فمنذ بدء الهبوط الحر لسعر برميل النفط هذا العام نتيجة خفض السعودية أسعارها على نحو حادّ ووفرة العرض الناجم عن الضخّ الأميركي، بدا النفط الرخيص سلاحاً فعالاً بيد تحالف الرياض – واشنطن في وجه موسكو، أكان للضغط عليها في مجال سياساتها في الشرق الأوسط، وتحديداً في سوريا، أو حتى لبنان، أم للتأثير في خياراتها في شرقي أوروبا، وتحديداً عتبتها الأوكرانية التي أعلنت النفير العام فيها للحفاظ على مصالحها.
السعودية لديها وفر هائل في الإنتاج، وأميركا تتقدّم بخطى ثابتة في هذا المجال. أرقام إدارة معلومات الطاقة الأميركية التي نشرت، الأسبوع الماضي، توضح أنه للمرّة الأولى منذ عام 1975 تتخطّى احتياطات النفط الخام المؤكدة في الولايات المتّحدة 36 مليار برميل، إنها زيادة بواقع 3.1 مليارات دولار، أي ما نسبته 9%.
هذا التغيّر في المخزون يعود إلى الاستكشاف والتطوير إضافة إلى عوامل مالية. والارتفاع المسجّل في عام 2013 سببه الأساسي اكتشاف 5 مليارات برميل، بعد الانتهاء من الوصلات الخاصة بحقول موجودة: هذه الوصلات هي نتيجة أعمال الحفر والتنقيب في مخزونات مُكتشفة سابقاً.
ولكن اليوم، يبدو أن للنفط الرخيص ولإغراق الأسواق ببراميل الذهب الأسود أبعاداً أخرى. ففي الأسبوع الماضي، أعلنت شركة النفط السعودية «أرامكو» أنها ستعمد إلى خفض إضافي لسعر نفطها المخصص للأسواق الآسيوية، بما يتراوح بين 1.5 دولار و1.9 دولار للبرميل مقارنة بالسعر السائد في كانون الأول الحالي. فعلياً، ستؤدي هذه الخطوة إلى خفض أسعار جميع أنواع النفط الأميركي، بما يتراوح بين عشرة سنتات و90 سنتاً. وبحسب الخبراء المطلعين في أروقة الشركات والمؤسسات الرسمية الأميركية، فإن هذه الخطوة السعودية تُعدّ «إعلان حرب على إنتاج الوقود الأحفوري في الولايات المتّحدة».
غير أن تأثير النفط الرخيص لا يقتصر فقط على المصالح السياسية وعلى حجز الأسواق والتنافس عليها، بل هو الوسيلة المثالية للتعجيل في تدمير الكوكب. ويركّز تقرير تنشره مجلة «نيويوركر»، مطلع العام المقبل بعنوان «مشكلة النفط الرخيص»، على هذه المسألة البالغة الحيوية.

متنعِّمةً بتفوّقها التكنولوجي ستراقب الولايات المتّحدة إنتاجها وهو يتخطى الإنتاج السعودي

للتذكير، فإنّ الهيئة العالمية حول تغير المناخ – وهي مؤلفة من أعضاء يمثلون الحكومات من الشرق إلى الغرب – شددت، الشهر الماضي، على أنه للحؤول دون ارتفاع حرارة الأرض أكثر، يجدر بالعالم أن يوقف انبعاثات الغازات الدفيئة الناجمة عن الوقود الأحفوري في نهاية هذا القرن.
الحجة السهلة المقابلة لهذا التوجس العلمي هي أنه لا يزال هناك متسع من الوقت. ولكن برأي العلماء أنفسهم، فإن التغيير يبدأ من هذه اللحظة. ينقل كاتبا المقال، بن ماكغراث وكايكل سبيكتر، عن اقتصاديين وجيولوجيين تقديرهم أنّ سعر البرميل لن يعود إلى الارتفاع قريباً؛ أكثر من ذلك، قد ينخفض إلى ما دون 50 دولاراً في الفترة المقبلة.
السبب في ذلك هو في الدرجة الأولى التقنيات الخاصة التي طوّرها القطاع الخاص في الولايات المتّحدة – بدعم متين من المؤسسة الرسمية – للوصول إلى الوقود الأحفوري الصعب. أبرز التقنيات طبعاً هي التكسير عبر ضخ السوائل للوصول إلى جيوب النفط الصخري أو الغاز.
متنعِّمةً بتفوقها التكنولوجي في هذا المجال، ستراقب الولايات المتّحدة إنتاجها من النفط الخام وهو يتخطى الإنتاج السعودي، في العام المقبل، وقد تطيح في القريب العاجل روسيا عن العرش العالمي، مع العلم بأن الأخيرة تُنتج أكثر من عشرة ملايين برميل يومياً.
الحكمة تفيد بأن الأسعار المرتفعة للنفط تدفع الحكومات والشركات وحتّى المستهلكين إلى التفتيش عن مصادر أرخص للطاقة – تُسمّى في معظم الأحيان البدائل - وبالتالي المساهمة في خفض معدلات التلويث.
اليوم، السعر هو أقل من نصف المستوى القياسي (بالأسعار الجارية) المسجّل في صيف عام 2008؛ حينها، تضرّعت الولايات المتّحدة، التي كانت لا تزال ضعيفة نفطياً، إلى الحليف السعودي لرفع الإنتاج، وبالتالي خفض الأسعار على نحو جنوني يفوق المسجّل حالياً.
ولكن من يتضرع أمام من في هذه المرحلة المجنونة؟