دونيتسك | في منطقة دونباس، شرق أوكرانيا، تُرسم اليوم ملامح الوجه الجديد لأوروبا، ما يذكّرنا بالحرب الأهلية الإسبانية التي اندلعت في الثلاثينيات من القرن الماضي. ورغم أنك، حتى الآن، لن تجد متطوعين من أمثال أرنست همنغواي وأندريه مالرو وجورج أورويل الذين قاتلوا في تلك الحرب (1936 ـ 1939)، فإن الصحافي البريطاني، غريم فيليب، الذي يتعاون مع قناة «روسيا اليوم»، جاهزٌ بلغته الروسية الركيكة المحببة، لتأدية الدور الذي قام به الأدباء المذكورون.


هنا أيضاً، صحافيون روس قضوا على أيدي «النازيين الأوكرانيين الجدد»، مثلما قضى الشاعر الأندلسي، غارسيا لوركا، على أيدي فاشيي الجنرال فرانشيسكو فرانكو. أما المتطوعون «الجمهوريون» الحاليون، وجلُّهم من الشباب، فيفدون من مختلف أصقاع أوروبا، من صربيا وإسبانيا وألمانيا وفرنسا وبولندا وبريطانيا واليونان والشيشان، للدفاع عن الجمهوريتين الوليدتين. هم يرون أن روسيا هي إحدى الدول القليلة التي تتحدى العولمة وتواجهها، وأن الولايات المتحدة أصبحت دولة فاشية، كما كانت ألمانيا في القرن الماضي. لذا فإن كلّ آمالهم معقودة الآن على الصين وروسيا.
لا يصدّق هؤلاء الشبان وسائل الإعلام الغربية التي تشيطن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الذي يبقى للعام الثاني على التوالي «أقوى زعيم في العالم»، بحسب مجلة «فوربس» الأميركية. كذلك، هم يشاهدون بأم أعينهم كيف تقصف السلطات الأوكرانية، التي تحارب «الإرهابيين» و«الانفصاليين» و"المتمردين" (بحسب تسمية الصحافة العالمية والعربية أيضاً) في شرق البلاد، دونيتسك ولوغانسك بمخلفات الترسانة السوفياتية المهولة وتفتك بمواطنيها الأبرياء، الذين لا يعون ما يجري، ربما لأنهم لا يعرفون أن صناع القرار الجدد في كييف، هم في غالبيتهم غير أوكرانيين. ولا يدرك المواطنون أن الأرثوذكسية، التي يعتنقها معظمهم، ليست ديانة هؤلاء، وأنهم من الأوليغارشيين اليهود، ما عدا معمدانياً وحيداً بائساً هو رئيس البرلمان ألكسندر تورتشينوف. لكن المواطنين هنا، يعرفون جيداً، أن حاكم مقاطعة دنيبروبتروفسك، إيغور كولومويسكي، الذي يحمل الجنسية الإسرائيلية، يملك جيشاً خاصاً من ألفي شخص يقاتلون بوحشية في دونباس، ويريد إقامة جدار عازل على الحدود مع روسيا كالذي أقيم في فلسطين.
ومع ذلك، فإن ما يجري لم ينل من عزيمة مقاتلي دونباس، ولا سيما أن العالم بدأ يصحو من غيبوبته، ويدرك حجم الكارثة، التي ألمَّت به من جراء السياسة الأميركية التي يرسمها موظفون في وزارة الخارجية الأميركية، مثل فيكتوريا نولاند (نودلمان) اليهودية ذات الأصول الأوكرانية، والتي وزعت البسكويت على المعتصمين في ميدان كييف. وهي تريد أن تلعب ضد روسيا الدور الذي لعبه مستشار الأمن القومي الأميركي في عهد الرئيس جيمي كارتر، زبيغنيو بريجنسكي، ضد الاتحاد السوفياتي.
ولعلّ أحد دلائل أن العالم بدأ يعي تلك الكارثة، هو لأن رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيتسو والرئيس التشيكي ميلوش زيمان، يسخران من العقوبات المفروضة على روسيا. وفي قبرص والنمسا ولوكسمبورغ وسلوفينيا وإيطاليا وبلغاريا، ينتقدون أيضاً هذه العقوبات. بالإضافة إلى أن الجزء الأكبر من الغاز الذي تستهلكه ألمانيا، قاطرة أوروبا الاقتصادية، يأتي من روسيا، كما أن التبادل التجاري بين الاتحاد الأوروبي وروسيا بلغ 450 مليار دولار، بينما تنفذ الشركات الألمانية مشروع العصر وتمدّ خط سكك حديد من الحدود الشرقية للاتحاد الأوروبي عبر روسيا إلى الصين، في حين وقعت روسيا أخيراً مع الصين صفقة تاريخية لإمداد «التنين الأصفر» بـ 38 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً على مدى 30 عاماً بقيمة 400 مليار دولار.
بات العالم يدرك أن الولايات المتحدة تعني العقوبات والحروب والبطالة والفوضى «غير الخلاقة» و«الثورات الملوّنة»، في حين أن روسيا والصين تبشران بالغد المشرق. العالم يتحرر من أحادية القطب، بيد أن الإمبراطورية الأميركية الآفلة لا تريد التسليم بذلك. أما بوتين فيعرف أنه إذا تراجع في شرق أوكرانيا، فسيضطر إلى قتال «العم سام» في الساحة الحمراء.. هكذا تتحول منطقة دونباس شيئاً فشيئاً إلى غورنيكا أخرى تنتظر رساماً مثل بيكاسو، يسجّل أهوالها في لوحة مأسوية جديدة.