فضّلت الولايات المتحدة عدم التحدث عن اجتماع دام لساعة كاملة بين مندوبتها سمانثا باورز ونظيرها السوري بشار الجعفري في نيويورك، عشية غارات التحالف الأميركي على "داعش". ورغم أن دمشق تنفي على لسان نائب رئيس الوزراء حدوث تنسيق مع واشنطن، يدرك الجانبان أن نجاح الحرب على "داعش" لا بد أن يمر بالتنسيق المتدرج.


في ١٦ أيلول الماضي، عقد مركز الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب اجتماعاً غير رسمي، ضمّ خبراء الدول الأعضاء، وكان هدفه استمزاج آراء الدول ومناقشتها، خاصة في ما يتعلق بانتقال الإرهابيين من دولة إلى أخرى وسبل المكافحة. الاجتماع كان مهماً بشكل خاص لأنه عُقد قبل أسبوع من الجلسة الاستثنائية التي ترأّسها الرئيس الأميركي باراك أوباما، والتي على إثرها صدر قرار مجلس الأمن الدولي ٢١٧٨. وهو القرار الخاص بملاحقة الإرهابيين الأجانب وتجفيف منابع تمويلهم وتدريبهم، وملاحقة المتورطين في تنظيمهم والمحرضين لهم، ومحو الفتاوى الداعمة لإجرامهم.
وخلال الاجتماع، عرض مدير فرقة العمل المعنية بالتنفيذ في مجال مكافحة الإرهاب التابعة للأمم المتحدة، جهنغير خان، من باكستان، فكرة مشروع استبيان، يتضمن أفكاراً تنطوي على تحويل ملاحقة الإرهابيين إلى عمل أكاديمي إحصائي، أكثر منه عمل جدّي يستهدف مجرمين قتلوا وذبحوا وعذبوا واغتصبوا باسم عقيدة. الاقتراح يستند إلى ما ورد في رسالة قدمها وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية جفري فلتمان، تتضمن توصيفاً في غاية الغرابة لهؤلاء الإرهابيين. رأى فلتمان أن ظاهرة "داعش" نابعة من الأزمة السورية، وليست سوريا من ضحاياها. قال إن "داعش نتيجة للأزمة السورية وليست إحدى مسبباتها، وإن هذا التنظيم ترعرع مستفيداً من التعاطف الذي وجده لدى السوريين الطامحين إلى التغيير". ولم يتطرق إلى الحوافز المادية والفتاوى التكفيرية. كذلك لم يذكر عزلة الإرهابيين الأجانب عن ثقافة المجتمعات التي قدموا منها، واعتناقهم لفكر قدم من صحراء الجزيرة العربية. ونفى فلتمان أن يكون "المقاتلون الأجانب" يرمون إلى العودة إلى بلدانهم الأصلية وتطبيق ما مارسوه في سوريا والعراق فيها، قائلاً "إن الكثير من المقاتلين الذين ذهبوا إلى سوريا والعراق ليست لديهم نيات لارتكاب جرائم أخرى بعد مغادرتهم، ولا ينظرون إلى أنفسهم على أنهم يتصرفون خلافاً لمصالح دولهم ( …) لكن قد يكون من الصعب التنبّؤ بسلوكهم في المستقبل". ولم يسمّهم إرهابيين أجانب، وهي التسمية التي اعتمدتها الأمم المتحدة بعد مفاوضات طويلة في اجتماعات المندوبين الأمميين.
وتوقع فلتمان مشاركة الإرهابيين العائدين في استبيان يقدّم معلومات مفصّلة للأمم المتحدة عن الدوافع والأسباب التي جعلتهم يذهبون إلى الشرق الأوسط للقتال، على أن يعدّ تقريراً بعد الاستبيان خلال أشهر. أحد المشاركين في الاجتماع استطرد ساخراً، "هل يمكن للأمم المتحدة أن تصدر كتاباً في نهاية الاستبيان تحت عنوان "مذكرات إرهابي عائد من سوريا؟"". وسأل مندوب سوريا في الاجتماع، "هل يعتقد المشرفون على المركز أن مهدي نموش مثلاً عاد من صفوف داعش للسياحة في أوروبا؟".
التقرير تجاهل عن عِلم أن "داعش" تعرضت ليس فقط لمقاومة من الحكومة وجيشها، بل حتى من التنظيمات السورية المسلحة التي تقاتل الحكومة، وخسرت معاركها معه. كذلك تجاهل التقارير الغربية بما فيها الأميركية، التي تفيد بأن الدول الحليفة للولايات المتحدة ضالعة في التمويل والتجنيد والتدريب والتجهيز، فضلاً عن التحريض والتساهل المستمر منذ أعوام.
هذا الطرح الصادر عن الأمانة العامة يعبّر عن سياسة غربية معلنة، تتحدث عن أن اجتثاث الإرهاب يجب أن يمر في سوريا من دون التنسيق مع الحكومة السورية، وفي ذلك الكثير من السذاجة والتبسيط. حيث تنتظر الدول الغربية من الحكومة السورية فتح أراضيها للقوات الأجنبية والطائرات، بما فيها التحالف الغربي ـ الخليجي، من أجل القصف في سوريا لأعوام، وتنتظر أيضاً أن يتم تجنيد مقاتلين أجانب على أيدي الدول عينها بمساعدة الائتلاف السوري المعيّن من الغرب، الذي سيقدّم المقاتلين ويعطي رأيه في كل متطوع "معتدل" يجري تجنيده. هؤلاء سيخوضون القتال على الأرض مستفيدين من الغارات الجوية كما قال وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند بعد اجتماع أصدقاء سوريا الأخير. وبعد أن يقضون على داعش، سيتولون إسقاط النظام السوري.

إجتماعات نيويورك

إن الأمور، وعلى الرغم من أنها معلنة على هذا النحو، فهي لا تسير بحسب الخطة. الولايات المتحدة التي تقود التحالف أجرت في نيويورك حوارات مباشرة مع كل من سوريا وإيران في الأسبوعين الأخيرين. صحيح أن الرئيس باراك أوباما لم يتصل بالرئيس الإيراني حسن روحاني كما فعل في العام الماضي، لكن وزير الخارجية الأميركي جون كيري اجتمع بنظيره الإيراني محمد جواد ظريف ثلاث مرات، منها اجتماعان بمشاركة نائبة رئيس المفوضية الأوروبية كاثرين أشتون. النقاشات لم تقتصر على البرنامج النووي، بل تركزت على العقوبات المفروضة على إيران. وقال جون كيري في حديث أجراه مع شبكة "سي أن أن" الأميركية، إن إيران تستطيع أن تلعب في سوريا دوراً إيجابياً مماثلاً للدور الذي لعبته في العراق. وكان يقصد بذلك أنها لم تدعم بقاء رئيس الوزراء السابق نوري المالكي إلى النهاية، وقبلت استبداله بحيدر العبادي.
وهنا تجاهلت الولايات المتحدة طرح المرجعية الدينية العراقية للمرشح الأوسع تمثيلاً باستقلال عن إيران والولايات المتحدة. إيران قبلت تلك الخطوة وباركتها، وواصلت دعمها للعراق. الولايات المتحدة أرادت أن تقوم إيران، كما في العراق، بطرح بديل للرئيس بشار الأسد في سوريا، مع أن الوضع يختلف كثيراً بين البلدين. الجيش السوري يحقق تقدماً في سوريا، بينما الجيش العراقي كان قد مُني بانتكاسات متتالية أسقطت المالكي. الترغيب الأميركي الأوروبي تمثل في محفزات مادية على شكل تخفيف العقوبات على إيران.

لقاء الجعفري ـ باور

لم يجتمع كيري بوزير الخارجية السوري وليد المعلم، لكن مندوبة الولايات المتحدة في المنظمة الدولية سمانثا باور زارت مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري في مقر البعثة السورية وجلست معه ومع اثنين من مساعديه لمدة ساعة كاملة. حملت له رسالة مطابقة لأخرى نقلها وزير خارجية العراق إبراهيم الجعفري إلى نظيره السوري، وتفيد بأن التحالف مصمم على شن غارات داخل سوريا لضرب "داعش" وجبهة النصرة، وأنها تتوقع من القوات السورية عدم تصويب أسلحتها نحو تلك الطائرات. واقترحت باور على سوريا إصدار بيان يرحب بأي جهد دولي يرمي إلى تقويض "داعش" منعاً للحرج. وقالت علناً إنها أخطرت سوريا بالعملية العسكرية ولم تطلب إذناً منها.
بهذه الزيارة الفريدة من نوعها، قدّمت الإدارة الأميركية الدليل القاطع على أنها لا تستطيع تجاوز الحكومة السورية. لكن واشنطن، وبعد ثلاثة أعوام من محاربة الحكم السوري، لا تستطيع أن تنسق علناً مع دمشق وحلفائها. كذلك فإنهم يدركون أن لدى سوريا صواريخ متطورة مضادة للطائرات، وأن سوريا برهنت في السابق أنها مناور سياسي ماهر، واستطاعت في تحالفها ضد صدام حسين، عند غزوه الكويت، كسب عقد مؤتمر مدريد للسلام.
الجعفري قال لباور إن سوريا تدعم كل جهد دولي مشترك يمر عبر القانون الدولي والأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، وسوريا كانت أولى الدول التي طرحت في أثينا عام ١٩٨٦ مشروعاً لتعريف الإرهاب، كما أكد أيضاً أن أي عمل يجب أن يراعي حماية السكان وضمان السيادة السورية ولا يقترن بتسليح المعارضة وتدريبها وتمويلها. ولفت إلى أن كل الأسلحة الأميركية التي يقاتل بها تنظيم "داعش" كانت أُرسلت إلى تنظيمات معتدلة، وأن قصر النظر والتقدير جعلا أميركا تقع في المحظور.
بالطبع تدرك الإدارة الأميركية أن حربها على الإرهاب المستمرة منذ أوائل العقد الماضي فشلت. فالغارات لم تتوقف في أفغانستان وباكستان ومالي واليمن والصومال وربما في ليبيا، لكن التنظيمات المستندة إلى فكر تنظيم "القاعدة" تتكاثر ويزداد عديدها. والولايات المتحدة في حاجة ماسة إلى من يساعدها على الخروج من أفغانستان. وبعبارة أخرى، هي في حاجة إلى تقليل عدد الأعداء لكي تحمي نفسها وحلفاءها من خطر الإرهاب الـ"داعشي" الداهم.