كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، متأكداً من نتيجة تصويت البرلمان، أول من أمس، على تجديد التفويض الذي بدأ منذ 4 تشرين الأول 2007، بشأن شنّ عملٍ عسكريٍ في العراق، ومن 15 تشرين الأول 2012 بالنسبة إلى سوريا، حيث كان البرلمان يتولّى في كل عام مهمة تمديد هذا التفويض، الذي لم تضعه أنقرة موضع تنفيذ آنذاك.


لكن المعطيات تغيرت اليوم. أعطت حكومة أحمد داوود أوغلو قراراً بالدخول في التزامات عسكرية ضمن «التحالف الدولي» الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية ضد «داعش»، في كل من سوريا والعراق، بعدما كان الموضوع قد أُشبع درساً من قبل الأمنيين والعسكريين في اجتماع عقد قبل ليلةٍ من تفويض البرلمان.
هكذا جمعت الحكومة مذكرتي التفويض في مذكرةٍ واحدة تقضي بإرسال القوات التركية إلى سوريا والعراق، بعدما كانت لكل دولة مذكرة خاصة بها. والجديد أيضاً هو إعطاء الضوء الأخضر للقوات الأجنبية باستخدام القواعد العسكرية والتمركز في الأراضي التركية والمرور عبرها، ما يفسح المجال أمام إعطاء تسهيلات للقوات الأميركية تحديداً باستخدام الأراضي التركية لمهاجمة أهداف في سوريا والعراق، ما يعني تدخلاً عسكرياً برياً وجوياً، يُعتقد أنه كان مدار بحث في الولايات المتحدة بين أردوغان ونائب الرئيس الأميركي جو بايدن.
خضع أردوغان وحزبه إذاً لمشيئة واشنطن. وهو، مثلما كان متوقعاً، يتصرف وكأن لديه صلاحيات مطلقة حتى قبل تعديل الدستور ليصبح نظام الحكم التركي رئاسياً.
ضمن هذا الإطار تكتسب زيارة المسؤولين الأميركيين، منّسق «التحالف» ضد «داعش» الجنرال جون آلن، ونائب مساعد وزير الخارجية الأميركية برت ماكغورك لأنقرة بعد عطلة عيد الأضحى، أهمية قصوى. سيطالب المسؤولون الأتراك بإقامة منطقة حظر جوّي في الشمال على الحدود التركية ـ السورية شبيهة بمنطقتي الحظر اللتين أقيمتا في العراق بين 1991 و200، الأولى لحماية الشيعة في الجنوب من ضربات القوات الجوية العراقية، والثانية لحماية الأكراد في الشمال تحت غطاء كل من أميركا وبريطانيا وفرنسا. تريد تركيا إذاً إقامة منطقة شبيهة عسكرياً بتلك الكردية، بحيث لا يستطيع الطيران السوري الدخول إليها.
لكن هذه المنطقة بحاجة إلى قرار من الأمم المتحدة، فيما يذكّر المسؤولون العسكريون في تركيا بأن قرار الحظر في العراق عام 1991 لم يأخذ موافقة الأمم المتحدة، كما أن الحجّة التي تساق بالنسبة إلى رفض روسيا المشروع يمكن تخطّيها عبر تفاهم أميركي روسي. فواشنطن لم تدخل في حرب مع روسيا من أجل أوكرانيا، ومن غير المحتمل أن تدخل هذه الأخيرة الحرب من أجل هذا المشروع. لذلك يعتقد الأتراك أن عليهم أن يقنعوا الأميركيين الذين سيتمكنون بدورهم من إقناع أعضاء «التحالف» وتنفيذ العملية.
إن إقامة منطقة عازلة هي بمثابة تعطيل فاعلية الطيران السوري، بما يسرّع حركة المجموعات المسلّحة بدعم دولي، ويمكّنها من كسر المعادلة القائمة وخلق واقع عسكري وسياسي جديد، وهذا ما يفسّر تشديد الرئيس باراك أوباما على أن الحلّ يجب أن يكون سياسياً ولكن بأدوات عسكرية، كما يبدو.
يعتقد الغرب أنّ من المفيد التعامل مع أردوغان، لكونه يمسك بمفاصل الدولة التركية وبحزب «العدالة والتنمية» الحاكم بالكامل.
وبذلك يمكنه تنفيذ تعهداته، لا سيما أن تركيا التي انغمست خلال السنوات الثلات الفائتة في عملية إسقاط النظام في سوريا، هي شريك للغرب، تتقاطع مصالحهما حيناً وتختلف أحياناً.
لم يكن التصويت في البرلمان أكثر من «حيلة» من أجل أن تأخذ تركيا خطوة لإقامة منطقة عازلة من أجل اللاجئين السوريين الذين يتوافدون عبر الحدود. كما ستمكّنها هذه المنطقة من ضرب الأكراد بعدما أوحت بأنها تريد المشاركة في ضرب تنظيم «داعش»، لكنها بالفعل تريد من أكراد سوريا أن يدفعوا ثمن عدم وقوفهم مع الجيش السوري الحرّ ضد النظام في سوريا.
أصبح القضاء على «داعش» مناسبة لعقد صفقة مع واشنطن، ثمنها خطة أميركية واضحة لوضع نهاية للأزمة السورية، سواء عبر تسوية سياسية تفضي إلى رحيل النظام أو التصعيد العسكري. لقد نفذ أردوغان وعده لواشنطن بالمشاركة، وبقي عليها أن توافق على اقتراح تركيا إقامة منطقة عازلة على الحدود السورية وعدم إشراك حزب «العمال الكردستاني» وفرعه في سوريا (حزب «الاتحاد الديموقراطي» الكردي) في «التحالف»، لا سيما بعد رفض هذا الأخير إقامة المنطقة العازلة التي تخطط لها تركيا على الحدود السورية. ويمكن القول إن خطط الجيش التركي أصبحت جاهزة في ما يخصّ إقامة هذه المنطقة. كذلك يبدو عملياً أن تركيا قطعت شوطاً طويلاً في إنجاز الترتيبات اللازمة، وهي الآن تنتظر قرار التنفيذ.