صنعاء | كثف تنظيم «أنصار الشريعة» فرع «القاعدة في اليمن» في الفترة الأخيرة هجماته ضد الجيش، انتقاماً من السلطات التي خاضت حرباً ضد التنظيم منذ أواخر نيسان الماضي في محافظتي أبين وشبوة الجنوبية. حينها شنت الحكومة اليمنية حملةً لاجتثاث «القاعدة» من الجنوب، قبل أن تعلن انتصارها مكبدةً التنظيم خسائر فادحة. طردت الحكومة التنظيم من معاقله الرئيسية، خصوصاً مناطق المحفد في أبين وعزان في شبوة، حيث كان منتشراً بكثافة.


وكشف تقرير صدر أخيراً عن مركز «أبعاد» للدراسات والبحوث أن «العمليات العسكرية للجيش ضد «القاعدة» منذ اختتام مؤتمر الحوار في 25 كانون الثاني الماضي، أدت إلى مقتل نحو 300 عنصر من أعضاء التنظيم، فيما قُتل في العمليات العسكرية وفي هجمات مسلحة لـ «القاعدة» ضد عسكريين ومدنيين نحو 200 من العسكريين بينهم 15 ضابطاً، وما يقارب من 30 مدنياً خلال تلك الفترة».
وقال المتحدث باسم الجيش اليمني سعيد الفقيه في مؤتمر صحافي مطلع حزيران إن الجيش اليمني قتل 500 مسلح وأصاب 10 من عناصر «القاعدة»، فيما أسر 40. وأشار إلى وقوع 40 قتيلاً و100 جريح في صفوف القوات المسلحة، وهو الأمر الذي لم يتم التثبّت منه، إذ لم تنشر السلطات اليمنية إلا صور عدد قليل من قتلى «القاعدة». كذلك، لم يقاتل التنظيم في الحرب الأخيرة، إذ انسحب مبكراً من المناطق التي أعلنت السلطات الحرب فيها، متخذاً بدلاً من مواجهة الجيش، قرار القيام بعمليات انتقامية في عدد من المناطق العسكرية والمقار الأمنية، كبدت الجيش خسائر كبيرة في المعدات والأرواح.

خارطة وجود «القاعدة»

ومن خلال خارطة الأحداث الأخيرة، يتمركز التنظيم بقوة في محافظة حضرموت الجنوبية، وبنسبة أقل في محافظة شبوة وأبين، فيما قلّ حضوره في الشمال، باستثناء محافظة البيضاء التي تشهد هي الأخرى هجمات متفرّقة على مقار عسكرية، وحوادث اغتيال لمسؤولين أمنيين وعسكريين، تحمل بصمات التنظيم. في وقتٍ غابت فيه الضربات عن العاصمة صنعاء بعدما كانت مسرحاً مفتوحاً لعمليات «القاعدة»، الذي نفذ عدداً من الهجمات العنيفة عليها، أبرزها استهداف مجمع «العرضي»، مقر وزارة الدفاع. ذلك الهجوم أدى إلى مقتل أكثر من 50 من الجنود والمدنيين وأطباء المستشفى الموجود في المجمع، يليه الهجوم الانتحاري الذي استهدف السجن المركزي في صنعاء في شباط الفائت وأدى إلى مقتل 7 من رجال الأمن وإصابة 4 آخرين وفرار 29 سجيناً من بينهم 19 متهماً بجرائم إرهابية.
كذلك تبنى التنظيم في بيانات ومقاطع فيديو نشرتها مواقع إلكترونية مرتبطة به، عدداً من حوادث الاغتيال التي طاولت جنوداً وضباطاً في صنعاء واستهداف مقار عسكرية وأمينة في البيضاء.

التمركز في حضرموت

أصبحت حضرموت معقل «القاعدة» في الآونة الأخيرة. استغل التنظيم الانفلات الأمني الكبير في البلاد، ونفذ هجمات عدّة، أبرزها الهجوم على مقر المنطقة العسكرية الأولى وعلى مطار سيئون. في المواجهات التي دارت أواخر حزيران الفائت، قتل 27 شخصاً، بينهم 12 جنديا و15 من عناصر «القاعدة»، وجرح 11 جنديا بحسب بيان للجنة الأمنية في حضرموت.
التركيز على حضرموت جاء لأسباب أبرزها المساحة الكبيرة للمحافظة (نحو 193 ألف كلم مربع) ما أتاح لعناصر التنظيم حرية الحركة في المناطق السهلية والجبلية، بعيداً من عيون الأمن والجيش الذي يعاني ضعفا على كل الصعد. واستفاد التنظيم من المناطق الصحراوية الفارغة على الحدود بين محافظات مأرب وحضرموت وشبوة، وهي المناطق التي يتنقل عبرها أفراد التنظيم من محافظة لأخرى.


انتقال «القاعدة»
إلى حضرموت
خطأ استراتيجي
ارتكبه الجيش
الأيام الماضية شهدت عودة جديدة لهجمات القاعدة، حيث دارت مواجهات عنيفة بين عناصر القاعدة والجيش اليمني في مدينة القطن، حين هاجم المسلحون مقر الأمن العام في مدينة القطن ومعسكر الأمن المركزي. وقال التنظيم في بيان انه «غنم غنائم كبيرة» قبل إعلان انسحابه من المدينة في اليوم نفسه».
وبالتزامن مع الهجوم على المقار الحكومية في مدينة القطن، نفذ عناصر التنظيم اقتحاماً لمعسكر قوات الأمن الخاصة في سيئون، وخلّف الاقتحام عشرات القتلى والمصابين في صفوف جنود الأمن، ثم أعلن التنظيم مقتل 8 من عناصره الانغماسيين الذين نفذوا عملية الاقتحام.
أما الحادثة التي هزّت البلاد بصورة غير مسبوقة، فكانت المذبحة التي نفذها عناصر «القاعدة» بحق 14 جندياً في حضرموت على خلفيةٍ مذهبية، وفق ما أعلنه التنظيم عبر «تويتر».

«القاعدة» لا يزال هنا

يؤكد الخبير في شؤون «القاعدة» سعيد الجمحي أن المتابع للأحداث الأخيرة في حضرموت «لا بد له من الاعتراف بأن القاعدة أصبح أشد شراسة وأكثر قوة مما كان عليه»، ويشير إلى أن «الأحداث الأخيرة تمثل مفارقة واضحة من الإعلان الرسمي حول الحملات العسكرية التي خرجت إلى محافظات شبوة وأبين، وطهرتها من التنظيم».
ويضيف الجمحي لـ «الأخبار» أن «تصريحات إعلام الجيش عن مقتل 500 من مقاتلي التنظيم في الحملات الأخيرة، هي أشبه بدعاية إعلامية من قبل النظام لا غير، بينما القاعدة يقوم بحرب ميدانية».
ويتابع الجمحي «إن القاعدة دخل مرحلة جديدة من الاستهداف، وهو يحقق أهدافه بكل سهولة»، متسائلاً «أين الجيش والمؤسسة العسكرية؟».
وأضاف الجمحي أن «الحالة مقلقة وتبعث على التساؤل والحيرة، فهل بات القاعدة أقوى من الدولة نفسها؟». ولفت إلى أن الدولة ارتكبت خطأً استراتيجياً خلال الحملات العسكرية السابقة، عندما تركت لعناصر التنظيم «الفرصة ليبحثوا عن ملاذٍ آخر، فاتجهوا إلى حضرموت الأكثر سعة ومساحة»، مشيراً إلى أن الجيش «أصبح يحارب عصابات، وأن الخطأ الذي اقترفه هو عندما أعطى التنظيم فرصةً للهروب، ولم يشدد الخناق على عناصره، بل سُمح لهم بالانتقال إلى مكان آخر، لشن عمليات إنتقامية».

قوة «القاعدة»

للتنظيم قوة مكتملة بحسب الجمحي. هو يملك أموالاً كثيرة، نُهبت من البنوك في حضرموت، إضافة إلى الأموال التي يحصل عليها من خلال جمع فديات عمليات اختطاف الأجانب. أما الأسلحة فيستولي عليها كمغانم، من المناطق العسكرية والمعسكرات والألوية التي يهاجمها.
ومن ناحية العنصر البشري، التنظيم يتجدد باستمرار، فكلّما قتلت الطائرات الأميركية من دون طيار أحد أفراده، ظهر عشرة بدلاً منه، من خلال استقطاب الشباب، أو من خلال ضمّ بعض الحانقين على الحكومة إلى التنظيم».




المعركة لا تزال في بدايتها


سببت الضربات الانتقامية التي نفذها «القاعدة» ضد الجيش والسلطات اليمنية في مدينتي القطن وسيئون في حضرموت، إضافة إلى مجزرة ذبح الجنود الـ 14 الجمعة الفائت، تخبطاً لافتاً لدى السلطات اليمنية، ظهر في خطاباتها الرسمية، إذ فيما حاول وزير الدفاع اليمني القول إن «الوضع تحت السيطرة» من خلال زيارته السريعة إلى بعض المناطق التي تدور فيها الاشتباكات لطمأنة المواطنين الى عودة الحياة إليها، تأتي بيانات المناطق العسكرية وإدارات الأمن لتُبيّن أن الوضع لا يزال حرجاً، وكان آخرها بيان صادر عن قيادة المنطقة العسكرية الأولى في حضرموت وإدارة الأمن، طالب المواطنين بعدم التجول مساء في عدد من المناطق في حضرموت، الأمر الذي يوحي بأن المعركة لا تزال في بدايتها، وخصوصاً مع تحصن مقاتلي «أنصار الشريعة» في عدد من المواقع البعيدة في جبال وادي حضرموت وأوديته.