قد يكون حزب «العدالة والتنمية» بالفعل استمراراً للمشروع الذي بدأه عدنان مندريس، وأكمله كل من الرئيسين التركيين السابقين سليمان ديميريل وتورغوت أوزال، وتبلور على يد مؤسس حزب الرفاه الإسلامي نجم الدين أربكان. هو مشروع مصالحة تركيا الحديثة مع تاريخها وهويتها، في مسعى لاستبدال العلمانية المتطرفة بأخرى دينية تدّعي الاعتدال.


يبدو أن الحزب سعى إلى الاستفادة من التجارب السابقة، باعتماد البراغماتية، بما يحفظ المشروع الأساسي. الثابت أن حزب «العدالة والتنمية»، مع رجب طيب أردوغان وعبد الله غول، اللذين أعدهما أربكان لخلافته، نجح في الاحتفاظ بشعبية واسعة داخل التيار الإسلامي بعدما استقطب قطاعاً واسعاً من اليمين العلماني المحافظ الذي تخلى عن أحزابه التقليدية، بسبب عجزها عن تقديم حلول لمشاكل البلاد الاقتصادية، كما جذب فئات محدودة من اليسار للأسباب عينها. لقد اجتمع من حول الحزب ثلث الناخبين الأكراد، عدا عن استقطابه للقاعدة الإسلامية العريضة. هذه الفئات الواسعة رأت في «العدالة والتنمية» وزعامته منقذاً للبلاد من كارثة الفساد الاقتصادي، ومن الحرب الأهلية مع الأكراد، ومن الاصطدام مع الجيش، على الرغم من التباين الثقافي بينها، وتعدّد واختلاف المشارب التي جمعها «العدالة والتنمية»، تبقى الرافعة هي القاعدة الإسلامية التي أوصلته إلى السلطة. بعدما تأكدت من عبثية الاستمرار بالسياسة الصدامية نفسها التي اتبعها أربكان مع الجيش.

الإنجازات الأولى للعدالة والتنمية

بنى الحزب مبادئه على أساس مبدأ الجمهورية المركزية الموحدة والمتضامنة، المستندة إلى المبادئ الديموقراطية العلمانية ودولة الحقوق الاجتماعية. مبدأ تحقيق تكافؤ الفرص للجميع وإقامة علاقات حسنة مع دول العالم كافة، والقيام بأعمال الخصخصة لصالح البلاد. مبدأ ضمان عدالة الضرائب وتخفيضها وتوزيعها بشكل ينسجم مع البنية الاجتماعية للبلاد. مبدأ التأكيد على رفض الحزب لجميع أشكال التعذيب والإرهاب والإذلال. أما العلمانية ففسّرها رئيس الحزب رجب طيب أردوغان بأنها تكمن في حياد الدولة تجاه المعتقدات، وهي بهذه الصورة ضمان للديموقراطية. وأكد أردوغان على ضرورة إعداد دستور جديد وتغيير قانوني الأحزاب السياسية والانتخابات بصورةٍ تنسجم مع متطلبات العصر.


أصبحت الحكومة
قريبة من النموذج السعودي الذي تحالفت معه في سوريا
وفي إطار موقف الحزب من العلمانية والإسلام، رأى زعيم الحزب أن العلمانية مبدأ أساسي للحرية والسلم الاجتماعي، كما أكد على مرجعية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية. وإلى جانب ذلك، أكد عبد الله غول بعد يوم واحد من تأسيس الحزب على البعد الجامع للحزب، وقال: «إن حزبنا ليس حزباً دينياً، ونحن نعمل على ضمان تمثيل الجميع وفي عداد مؤسسينا محجبات وسافرات، ملتحون وغير ملتحين» .
رأى مؤيدو الحزب أنه يستطيع معالجة المسألة الأكثر صعوبة وهي الاعتراف بالحقوق الديموقراطية للسكان الأكراد، وكذلك محاولة إطلاق مبادرات دبلوماسية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى والقوقاز من أجل تأدية دور فاعل في المنطقة.
أما بالنسبة إلى المعسكر المعارض للحزب، فهم اعتبروا أن الحزب سعى إلى إضعاف المؤسسة العسكرية، متذرعاً بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. إضافةً إلى كونه يسعى إلى «أسلمة» تركيا العلمانية، وذلك من أجل تعزيز موقعها في العالم الإسلامي على حساب سياسة تركيا التقليدية المتحالفة مع الغرب.
عمل الحزب على توجيه دعمه لحق المرأة في ارتداء الحجاب في الجامعات والتي خاض فيها معركة أمام المحكمة الدستورية في عام 2008 في محاولة للطعن في الدستور العلماني للبلاد. كذلك استطاع أردوغان تعيين مدنيين لمجلس الأمن القومي، الذي طالما كانت تهيمن عليه المؤسسة العسكرية.
سعى «العدالة والتنمية» إلى لعب دور اقتصادي وسياسي فاعل على المستويين الإقليمي والعالمي، وهذا ما حاولت أن توضحه رؤية وزير خارجية تركيا حيث حاول جعل تركيا لاعباً فاعلاً على المستوى العالمي عبر الترويج لسياسة «صفر مشاكل».

التحالف مع جماعة غولن

تحالفت جماعة الداعية الإسلامي محمد فتح الله غولن، صاحب فكرة الإسلام الاجتماعي مع «العدالة والتنمية» في المراحل المبكرة بين 2001 و2011. كان الحزب يؤيده بسبب برامج التنمية وتوجهاته الإصلاحية وقيامه بإيجاد الحلول للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتراكمة في تركيا. نجح «العدالة والتنمية» في إدارة المدن التركية الكبرى مثل اسطنبول وأنقرة، بواسطة برامجه وإنجازاته التنموية واستثماراته في البنى التحتية والمدارس والمنح ونجاحه في إدارة البلديات.
كان أردوغان وحزبه يتصرفان بحذر وحيطة من أجل «إثبات الوجود» تجنباً لـ«الانقلابات المضادة». كان يحتاج إلى أوسع دعم شعبي واسع، ولا سيما من الليبراليين وأوساط أخرى، ضد كل أنواع التهديدات الناتجة من البيروقراطية القضائية والعسكرية. تجلّى ذلك بتضاعف نسبة الأصوات التي حازها الحزب في الداخل والخارج خلال الانتخابات المتلاحقة. وكان لجهود جماعة «الخدمة» أثر في ارتفاع التأييد من خلال الأنشطة الإعلامية التي قامت بها الحركة ومؤسساتها الإعلامية والاقتصادية والتربوية، ولا سيما أثناء الترويج لحزمة الاتحاد الأوروبي.

انهيارات السياسة الخارجية وارتداداتها الداخلية

نقل الحزب تركيا إلى آفاق سياسية واقتصادية جديدة. استطاع التوازن الذي يحكم الدولة التركية عبر إقصاء دور الجيش من الوصاية على الحياة السياسيّة منذ تأسيس الجمهوريّة. نقل «العدالة والتنمية» تركيا إلى الاستقرار الاقتصادي، حتى أصبحنا أمام «نموذج تركي» لدولة مسلمة ديموقراطية، متقدّمة سياسياً واقتصادياً. تتمتع بمستوى للحياة والثروة الوطنية المعتمِدة على الإمكانات البشرية وليس على الثروات الطبيعيّة.
غير أن هذا النموذج بدأ يتراجع من جراء السياسات الخارجية المرتبطة بأردوغان وطموحاته الشخصية، حيث انخرطت تركيا في حروب إقليمية بدوافع طائفية.
لقد تبنت تركيا سياسةً طائفية أفقدت «النموذج التركي» جاذبيته بسبب حكومة لم تستطع الجمع بين الديموقراطية والإسلام. تحولت حكومة «العدالة والتنمية» إلى مذهبية قريبة من النموذج السعودي الذي تحالفت معه في سوريا، حيث دعمت «جبهة النصرة»، ووقفت مع المتطرّفين في حربهم ضد التنظيمات الكردية المنتشرة على الحدود من الجهة السورية .
فقد أردوغان المعبر السوري البري الحيوي إلى الخليج والمشرق، وبعد إقفال المعبر العراقي بوجهه لم يبق له سوى الممر الكردي من العراق، حتى جاءت «الدولة الإسلامية» لتحتجز القنصلية التركية ومن فيها في الموصل بعدما حلم باستردادها. كذلك جمدت الإمارات استثمارات بـ 14 مليار دولار. لذلك، تتجه تركيا اليوم نحو أوروبا وتدعّم العلاقات الاقتصادية معها من أجل تعويض الخسارة.
من جهة أخرى، استطاع «العدالة والتنمية» التأثير على الشباب العربي الذي حلم «بنموذج تركي ديموقراطي» ينتقد إسرائيل عن منبر دافوس، مثلما فعل أردوغان في 2009، يقود سفينة «مرمرة مافي» من أجل غزة.
غير أن النموذج الديموقراطي الناجح اقتصادياً، انحدرت شعبيته اليوم في العالم العربي، بحسب استطلاعات الرأي. في الأردن مثلاً، انحدرت النسبة من 75% العام الماضي إلى 60% هذا العام، وفي فلسطين من 75% إلى 55% العام الحالي وفي مصر من 68% إلى 42%.
الصراع الداخلي وتهاوي الديموقراطية
وقفت جماعة «الخدمة» (غولن) في صف «العدالة والتنمية» في مواجهة الانقلاب على الحكومة، خلال تعرضها لانتقادات وتظاهرات مضادة. لكن أردوغان اتهم الحركة بأنها تقف خلف تظاهرات «حديقة غزي» وخلف اتهامه بالفساد ونشر الوثائق، ناسياً أن وثائق ويكيليكس ذكرت حجم ثروته وسبل بذخه. لكن ما هي الأسباب الحقيقية للخلافات؟ يصر مؤيدو أردوغان على مطالبة الجماعة بإظهار التبعية والطاعة لهم، وتأكيد عدم تورطهم في «مؤامرة غربية» لاقتلاع أردوغان من السلطة، ولا سيما بعد إسقاط حليفه محمد مرسي، وفشل التدخل الأميركي في سوريا. خشي أردوغان من محاولة الغرب إسقاطه بعد كشف تزويده «النصرة» بأسلحة كيميائية. انتقد محازبو «العدالة والتنمية» جماعة «الخدمة» ـــ التي يسميها أردوغان باسم «الكيان الموازي»، بسبب عدم انضمامها لحزب «العدالة والتنمية». يعتقد جماعة غولن أن أردوغان أصبح قوياً بعد القضاء على خصومه من خلال قضية «المطرقة وأرغَنكون». فكان لا بدّ له من استيعاب المنافسين أو ضربهم، فكانت الجماعة القوة الوحيدة القابعة خارج السيطرة الكاملة. اتهمها أردوغان بمحاولة تأليف حكومة موازية، كما جرى استخدام الخلاف حول رئيس الاستخبارات حقان فيدان لتحريض القاعدة الشعبية للحزب ضد «الخدمة»، قبل أن يتهم أردوغان الغولنيين بنيتهم تأسيس حزب جديد، ينافس حزبه ويُطرح كبديل له.
يحكم الحزب تركيا منذ اثني عشر عاماً. يمسك بمفاصل الدولة، ويسيطر على الاقتصاد وكل مقدرات البلاد التي ربطها به. لقد خشي بعض رجال الأعمال المرتبطين بالحكومة من خسارة الحزب للانتخابات البلدية بعد اتهام أردوغان بالفساد وبعد التظاهرت التي سيقت ضده، وبعضهم من كبار رجال الأعمال لأن خسارة حزب «العدالة» ستتسبب بخسارتهم لمصالحهم التجارية، فأعادوا التموضع، داعمين إياه بكل قوتهم. فالجماعات الصوفية، المؤثرة في المجتمع التركي، دفعت كثيرين ممن كانوا يقاطعون الانتخابات إلى المشاركة فيها بقوة، انتصاراً لحزب «العدالة» الحاكم، لأنهم شعروا بأن الامتيازات التي يتمتعون بها أصبحت مهددة، في حال فشل الحزب.
قاد أردوغان حملة «تطهير» بحق جماعة غولن، وبحق كل من اشتبه بضلوعه في قضية الفساد التي سيقت ضده في صفوف الضباط والأمن ومرافق الدولة حتى الاقتصادية منها. بالإضافة إلى حملة الاعتقالات الواسعة التي نفذها بحق من اتهمهم بالانتماء إلى «الكيان الموازي» في الشرطة، وغيرها من الأجهزة.




أردوغان vs غول




يحاول البعض اللعب على وتر الخلافات بين الرئيس الحالي عبد الله غول وأردوغان على خلفية عزم الأخير على الترشح للرئاسة والاستحواذ على كل الصلاحيات التي يتمتع بها رئيس الوزراء، وحتى رئاسة الحزب (بعد تغيير نظام الحكم في تركيا)، ومن المتوقع أن يحمل غول على الانشقاق.
لا شك أن غول الرجل الهادئ العقلاني هو الوجه الآخر للعدالة والتنمية. فالرئيس يتصرف بنوع من التوازن وبعقلية رجل الدولة بموازاة تشنج أردوغان حيال التطورات الإقليمية، وخصوصاً في مصر. على سبيل المثال، بعث غول برسالة إلى القيادة المصرية الجديدة يطلب فيها إقامة علاقات متبادلة على أساس المصالح.
كذلك دعا في الفترة الأخيرة إلى مراجعة السياسة التركية إزاء الأزمة السورية. ويحاول غول استيعاب الاحتجاجات في الشارع التركي والتعاطي معها من خلال الحوار. لذلك، يرى البعض أن الخلافات بين أردوغان وغول بدأت تخرج إلى العلن ويراهن عليها. ويمكن القول إن للحزب وجهين متناقضان هما أردوغان وغول.