تشهد تركيا، في العاشر من آب المقبل، أول انتخابات رئاسية تجري عبر انتخابات شعبية في تاريخ الجمهورية، وذلك وفقاً لاستفتاء شعبي، عُدّل بموجبه الدستور من انتخاب باقتراع البرلمان إلى الانتخاب المباشر.


الاستفتاء الذي جرى عام 2007، جاء بعد عجز مرشح حزب «العدالة والتنمية» آنذاك، ورئيس الجمهورية الحالي عبدالله غول عن تحقيق الأغلبية البرلمانية في الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية في العام نفسه، ما دفع الحزب الحاكم إلى إجراء استفتاء يؤدي إلى تعديل الدستور بهدف تجاوز اللعبة البرلمانية في الاستحقاقات المقبلة.
ويتجه حزب «العدالة والتنمية»، غداً، إلى إعلان ترشيح رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان للانتخابات الرئاسية التي تجري دورتها الأولى في 10 آب، والثانية في 24 آب.
وبات من البديهي القول إن فضائح الفساد التي طاولت الحزب وعدد من أركانه ووزرائه في كانون الأول الماضي، لم تؤثر فعلياً في شعبيته أو شعبية حزبه. هذا على الأقل ما أكدته نتائج الانتخابات البلدية في آذار الماضي، التي مثلت اختباراً للقاعدة الشعبية لهذا الحزب. القاعدة نفسها من المتوقع أن تحقق فوز مرشح حزب «العدالة والتنمية» في الاستحقاق الرئاسي المقبل.


استطلاع رأي:
تأييد 52% لوصول أردوغان إلى
الرئاسة

قبل آذار 2014، عوّل البعض على خسارة الحزب الحاكم في استحقاقاته المتتالية هذا العام، في ضوء عوامل كثيرة، منها المغامرات الخارجية لرئيس الوزراء خلال السنوات الثلاث الماضية بالتزامن مع الفضائح الداخلية، واشتداد نزعته التسلطية. غير أن نتيجة الانتخابات المحلية الأخيرة (45,8%) بينت أن الفضائح أزعجت رئيس الوزراء السلطوي، لكنها لم تهزّ عرشه.
في الآونة الأخيرة، كثر الحديث عن تبني المعارضة التركية رئيس المحكمة الدستورية هاشم قليج مرشحاً توافقياً لرئاسة الجمهورية. غير أن حزب «الشعب الجمهوري» والحركة القومية التركية حسما قبل أيام مرشحهما التوافقي، وهو الأمين العام السابق لمنظمة التعاون الإسلامي أكمل الدين إحسان أوغلو (70 عاماً). ويبدو أن المعارضة التركية تهربت، عبر ترشيح إحسان أوغلو، من المواجهة مع التيار الإسلامي في تركيا. لم يلجأ الحزبان المعارضان إلى مرشح تحدٍّ كهاشم قليج، بل حاولا إرضاء أكثر من جهة.
إحسان أوغلو الذي ولد وعاش في مصر حتى سن الثلاثين، يؤمن بعلمانية تركيا ويرى مصطفى كمال أتاتورك بطلاً قومياً. متخرّج جامعة «الأزهر» مقتنع بضرورة فصل الدين عن الدولة. وبالتالي، يصبح التوافق عليه منسجماً إلى حدٍّ ما مع القاعدة الإسلامية في تركيا، ما يمكّن برأي المعارضة استقطابهم إلى خيارها، بالتزامن مع ضمان دعم العلمانيين الأتراك الذي سيرون في المرشح الإسلامي الليبرالي شخصية أكثر اعتدالاً من أردوغان.
أما المرشح الثالث والأخير، فهو مرشح الأحزاب الكردية صلاح الدين ديميرتاش، وهو الرئيس المشترك في حزب «الشعب الديموقراطي»، الحزب الذي أُسِّس في تشرين الأول الماضي، استعداداً لخوض الانتخابات المحلية. يذكر أن دميرتاش كان محكوماً بالسجن لعشر سنوات عام 2010 بتهمة علاقته بحزب العمال الكردستاني المحظور.
حظوظ المرشحين المنافسين لأردوغان تبقى منخفضة، وفق استطلاعات الرأي الأخيرة التي أظهرت أن تأييد وصول أردوغان إلى قصر «شنقايا» يصل إلى 52%، فيما نال أكمل الدين إحسان أوغلو 35%، مقابل أقل من 10% لصلاح الدين دميرتاش.
ويُعَدّ إحسان أوغلو المرشح الجدي الوحيد في وجه أردوغان، ويمثل ترشيحه فصلاً جديداً من فصول ارتباك المعارضة التركية. إذ أثبت حزبا «الشعب الجمهوري» و«الحركة القومية» خلال الأحداث الأخيرة أنهما غير قادرين على وضع برنامج عمل حقيقي يكرس بديلاً من الحكم السائد في تركيا منذ 2003. ولعل اختيارهما لمرشح «رمادي» إلى حدّ بعيد، يكرس هشاشة المعارضة وعدم قدرتها على مواجهة سطوة أردوغان في المدى المنظور. في وقتٍ يحقق فيه الحزب الحاكم الفوز في استحقاق تلو الآخر، حيث تتجه أنظار «العدالة والتنمية» اليوم إلى انتخابات 2015 البرلمانية، بعدما أصبح كرسي الرئاسة في «جيبهم».