بينما يتمحور النشاط السياسي والدعائي للحكومة الإسرائيلية حول إلقاء مسؤولية إخفاق المفاوضات على رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، تعرضت الحملة التي يقودها بنيامين نتنياهو ووزراؤه لضربة موجعة في المضمون والتوقيت على يد الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز.


ففي مقابل حملة التشكيك الإسرائيلية بشأن توجهات الرئيس الفلسطيني نحو التسوية، كشف بيريز عن أنه توصل إلى اتفاق مع عباس شمل تقريبا كل النقاط قبل نحو ثلاث سنوات بتفويض من نتنياهو، «لكن الأخير أحبط الاتفاق في اللحظة النهائية عندما طلب تأجيل التوقيع لعدّة أيام» .
وأكد بيريز أن عباس وافق على الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية، وعلى حل مسألة اللاجئين، «إضافة الى استبدال الحديث عن حدود عام 67 مقابل الحديث عن مساحة الدولة الفلسطينية». لجهة التوقيت، تأتي مواقف بيريز في ذروة الحملة التي يشنها نتنياهو ضد عباس على خلفية مصالحته مع حركة حماس، ما أظهر أن الرئيس الإسرائيلي يرمي إلى إحباط محاولة تشويه صورة عباس في الرأي العام الداخلي أو العالمي، وخاصة أن الرد أتى على لسان شخصية بوزن شمعون بيريز، التي لها ثقل سياسي ودعائي في العالم الغربي، فضلا على أنه يتحدث من موقع رئيس الدولة.
وفي هذا السياق، أكد بيريز أن عباس لا يزال الشريك الوحيد للتسوية مع إسرائيل، لافتا إلى أنه يعرفه منذ 30 سنة، «لذا ينبغي أن نقول الحقيقة: إنه يكافح الإرهاب بالقوات التي لديه».
ومما كشفه بيريز أيضاً خلال مقابلته مع القناة الثانية الإسرائيلية، أنه توصل إلى تفاهم شمل تقريباً كل النقاط، «كان ينبغي أن نجمل ما توصلنا إليه، لكن نتنياهو كان لديه انطباع بأن هناك اقتراحاً أفضل قدمه طوني بلير، وقال لي: أعطوني ثلاثة أو أربعة أيام وسنرى»، مضيفاً: «لم تكن المسألة مرتبطة بعدد من الأيام، ولا بأن بلير قادر على طرح اقتراح أفضل، مما كان لدي». الرجل الذي ينهي ولايته بعد نحو شهرين، شدد على أن عباس وافق على أن تكون إسرائيل دولة يهودية، قائلاً إنه في المقابل كانوا سيوافقون، الطرف الإسرائيلي، على أن تكون هناك دولة فلسطينية. لجهة اللاجئين، لفت بيريز إلى أن أبو مازن وافق على صيغة «حل قضية اللاجئين بطريقة عادلة ومتفق عليها كما نصت المبادرة العربية»، منوهاً بشجاعة عباس «الذي أعلن أمام الجمهور العربي أنه ولد في صفد، لكنه لن يعود إليها».
أخيراً، حصر بيريز مسؤولية توقف التوصل إلى اتفاق في موقف نتنياهو الذي عارض الخطة «برغم أن خطوات التوصل إلى اتفاق كانت بموافقة من نتنياهو، الذي كان شريكاً في كل خطوة وكل شبر».
وبفعل الإحراج الذي تسبب به بيريز للدعاية التي يروج لها نتنياهو، اختارت مصادر في مكتب الأخير التهرب من الرد المباشر على الرئيس الإسرائيلي، وتركيز الهجوم على أبو مازن. ونقلت صحيفة «يديعوت احرونوت» عن هذه المصادر قولها إن عباس لم يوافق على شيء، بل أراد الحصول على فوائد من إسرائيل دون تقديم شيء في المقابل. وأضافت الأوساط نفسها إن الطريقة المعروفة للرئيس الفلسطيني هي انتهاج خط غير واضح حتى دفعه إلى الزاوية وعندها يهرب، «وهذا ما فعله عندما قال (لا) مع الرئيس ياسر عرفات، في كامب ديفيد، وهكذا فعل في أنابوليس، ويفعل هذا الآن مع جون كيري»، منبهةً إلى أن الاتفاقات الوحيدة التي يوقعها «أبو مازن هي مع حماس»، وبلغة أكثر استفزازاً قالت الصمادر: «من يعانق في ذكرى إقامة دولة إسرائيل خالد مشعل، لا يريد السلام مع إسرائيل».
وفي سياق حملة التحريض نفسها، كشفت صحيفة «هآرتس» عن أن مستشار الأمن القومي يوسي كوهين وجه رسالة إلى البيت الأبيض وبعض الدول الغربية يدعي فيها خداع الفلسطينيين وزير الخارجية الأميركي جون كيري في كل ما يتعلق بالمفاوضات مع إسرائيل، كما يطالبهم بتحميل الفلسطينيين المسؤولية عن إخفاق المفاوضات.
مع ذلك (الأخبار)، عبّر أمين السر للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ياسر عبد ربه عن موقف السلطة المتمسك بالوسيط الأميركي، كاشفاً عن أن جهود واشنطن لا تزال مستمرة لإنقاذ عملية السلام. وقال عبد ربه في تصريحات صحافية: «لا يُمكن للأميركيين إغلاق ملف العملية السياسية والانسحاب بهذه البساطة، فهذا له تبعات ليس بالنسبة إلى إسرائيل والسلطة فحسب، بل على الدور الأميركي في المنطقة».
وأضاف: «علّمتنا التجارب أن أي مفاوضات ستكون بلا قيمة أو نتيجتها سيئة»، لكنه أشار إلى لقاء مرتقب بين عباس ومستشارة الأمن القومي الأميركي سوزان رايس اليوم الخميس لبحث الوضع الراهن.