موسكو | توفي أمس رئيس الوزراء الروسي الأسبق، يفغيني مكسيموفيتش بريماكوف، عن عمر ناهز 86 عاماً، بعد مسيرة سياسية فياضة بالمآثر، على مستوى بلاده وعلاقاتها الدولية والعربية.

بدأ بريماكوف حياته العصامية في العاصمة الأوكرانية، كييف، حيث غمره الفضول منذ الصغر للتعرف إلى الشرق. وهو اختار دراسة اللغة العربية منذ جاء إلى موسكو ليلتحق بمعهد الاستشراق الموسكوبي. واستفاد بريماكوف من معارفه الشرقية في عمله كمراسل لصحيفة «برافدا» في القاهرة ودمشق وبغداد بين عامي 1966 1970، وكمدير لمكتب وكالة «تاس» في بيروت. وسهلت المعارف تلك على بريماكوف التعارف مع كبار رجال السياسة العرب، فلم يعد مجرد صحافي في المنطقة الساخنة، بل أصبح رجل المهمات الصعبة، التي كان أبرزها الوساطة بين القيادة العراقية وأكراد الشمال، المهمة التي تطلبت منه ركوب البغال في جبال كردستان عام 1966، وأدت إلى توقيع اتفاقية الحكم الذاتي الشهيرة للأكراد في شهر آذار من عام 1970.


لم يكن بريماكوف ألعوبة بأيدي بطانة الرئيس وأثرياء الخصخصة
أما ميخائيل غورباتشوف، الأمين العام للحزب الشيوعي السوفياتي، فانتدب بريماكوف لأول مرة للحيلولة دون إطلاق الأميركيين «زوبعة الصحراء» في الخليج العربي، بعد احتلال القوات العراقية الكويت عام 1990. لكن الفشل كان مكتوباً على هذه المحاولة منذ البداية، لأن غورباتشوف، في تقلبه المعهود، أرسل إلى الولايات المتحدة في الوقت نفسه وزير خارجيته والصديق الجديد للأميركيين، إدوارد شيفاردنادزه، للتنسيق مع واشنطن، فضاعت فرصة ذهبية لمنع حرب الخليج الأولى. وقد دفع غورباتشوف ثمن تخبّطه غالياً، عندما أُجبر على التنحّي عن السلطة عام 1991، ليبدأ عصر بوريس يلتسين.
بيد أن بريماكوف، رجل معسكر غورباتشوف، كان من بين القلائل الذين أبقاهم يلتسين في السلطة بعد رحيل غورباتشوف. وأوكلت إلى بريماكوف مهمات صعبة في هذه المرحلة الانتقالية الدقيقة، كان من بينها رئاسة مصلحة الاستخبارات الخارجية، والتي لم يقها بريماكوف من التشرذم وحسب، بل قام بإصلاحات جذرية فيها، وبذل جهوداً جبارة خلال رحلاته السرية والعلنية إلى مختلف بقاع العالم لسد الثغر التي أحدثتها سياسة وزير الخارجية آنذاك، أندريه كوزيريف، واسترداد ما أمكن من مواقع النفوذ الروسية الضائعة. وبعد تنامي الاستياء الشعبي من كوزيريف، ومع اشتداد المعارضة البرلمانية لسياسة الأخير الموالية للغرب، اضطر يلتسين، رغم الضغوط الأميركية، إلى إقالته عام 1996، وتعيين بريماكوف وزيراً للخارجية.

واستهل الوزير الجديد نشاطه بزيارة بدأت في 20 نيسان لدمشق وبيروت وتل أبيب، إبان عملية «عناقيد الغضب» التي شنتها «إسرائيل» على جنوب لبنان. وحاز بريماكوف على الفور إعجاب محادثيه، لإحاطته التامة بالوضع في المنطقة، وأصبحت السفارة الروسية في دمشق غرفة عمليات للمفاوضات. وقد وافق الجانب الروسي حينها على خطة تسوية اقترحها الخبراء الفرنسيون كنقطة انطلاق للتباحث، معتبراً إياها الأكثر واقعية. ولكن وارن كريستوفر، وزير خارجية الولايات المتحدة آنذاك، نظر بضيق وحذر إلى تفعيل السياسة الروسية في الشرق الأوسط، فلم يلتق بريماكوف بسبب «اكتظاظ جدول أعماله» كذلك فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، شمعون بيريز، صرّح بأنه «يوجد لدينا وسيط واحد هو الولايات المتحدة وحسب». وأرجع المحللون سبب فشل مهمة بريماكوف إلى غياب الدبلوماسية الروسية الطويل عن المنطقة، واعتياد دول الشرق الأوسط اعتبار الولايات المتحدة حَكَماً رئيسياً في العلاقات في ما بينها. ورغم أنه كان صعباً أن تقوم عصا أي ساحر دبلوماسي روسي بصنع العجائب، وذلك بعد سنوات طويلة من تقزيم روسيا لنفسها، فقد حصلت المعجزة في بداية عام 1998. وفي الأسبوع الأخير من شباط من ذلك العام، أعلنت قناة «سي إن إن» بدء بثها المباشر من أرض العمليات الحربية في العراق، وكانت تلك غلطة تقنية فادحة لصانعي الأخبار الأميركيين، ذلك أن «عاصفة الصحراء» (الاسم الذي أُطلق على العملية) لم تجلجل، فقد أُوقف العدوان على العراق حينها في آخر لحظة، بفضل جهود فرنسا والصين وروسيا.
أما مآثر بريماكوف على الصعيد الداخلي الروسي، عندما أصبح رئيساً للحكومة، فعصيّة على النسيان. في نهاية عام 1998، كان مصير الدولة الروسية على كف عفريت، وذلك بعدما ضيّق الأخطبوط الأوليغارشي الخناق على السلطة، وسرحت «القطط السمان» في قدس أقداس الدولة الروسية، متسبّبة في 17 آب بأزمة مالية خانقة. عندها انخفض نفوذ الرئيس الروسي الواهن، يلتسين، واشتدت المعارضة البرلمانية ضده في مجلس النواب. ولم يكن مصادفة إجماع النخبة السياسية من أهل اليمين واليسار على اختيار بريماكوف، وزير الخارجية آنذاك، لترؤس الحكومة التي نالت في ما بعد أصوات غالبية النواب. وقد نال بريماكوف، الأكاديمي العصامي، ثقة المواطنين أيضاً، ونجح بسرعة في إشاعة الطمأنينة في قلوبهم. وأُلّفت لأول مرة في عهد يلتسين حكومة ائتلافية حقيقية تعتمد على الأغلبية البرلمانية، رئيسها ليس ألعوبة بأيدي موظفي ديوان الرئاسة وأسرة الرئيس والمقرّبين منها من أثرياء الخصخصة الجدد. لجم بريماكوف على الفور سعر صرف الدولار، وحاول وضع العوائق أمام تدفق مليارات الدولارات إلى الخارج، وصبّ اهتمامه على رفع مستوى الإنتاج، فلوحظ لأول مرة نموّ ملموس في إجمالي الناتج القومي، وأصبح المسنون والمتقاعدون والعسكريون ومستخدمو الدولة، الذين أهملتهم إدارة يلتسين، يتسلمون رواتبهم ومعاشاتهم في أوقاتها المحددة.
وبدا أحياناً، في ظل ترهل يلتسين وسكره الدائم، أن رئيس الحكومة هو حاكم روسيا الفعلي، وذلك بفضل صلاته الواسعة بأجهزة الاستخبارات، وبفضل دعم الجيش والشعب له. ولذلك، وبإيحاء من بطانته الفاسدة، حاول يلتسين إجبار بريماكوف على الاستقالة، كما فعل مع أسلافه، لكن رفض بريماكوف القاطع حمل يلتسين على توقيع مرسوم بإقالته. وهكذا، ورغم انتصار المافيا على رجل الدولة الفذ، إلا أن الأخير أفلح في وضع مقدمات عودة الهيبة الدولية لروسيا في عهد الرئيس بوتن، قبل أن يعلن في 21 شباط 2011 استقالته من منصبه كرئيس غرفة التجارة والصناعة الروسية، ليتفرغ بشكل نهائي للعمل الاجتماعي والكتابة.