موسكو | الهجوم العنيف الذي شنّه وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل في اجتماع قمة جامعة الدول العربية الأخيرة على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أعاد إلى المربع الأول العلاقات الروسية السعودية التي شهدت مراحل من المدّ والجزر والتقارب والعداء على مدى 89 عاماً.

وكان الاتحاد السوفياتي، الدولة الأولى غير العربية، التي أعلنت اعترافها في عام 1926 بأول كيان سعودي سيادي موحّد هو «مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها»، وسلم القنصل السوفياتي كريم حكيموف إلى الملك عبد العزيز آل سعود مذكِّرة اعتراف بالسلطة الجديدة، الأمر الذي سمح للنظام السعودي الفتي بالحصول على هامش للمناورة من حين إلى آخر أمام الامبراطورية البريطانية الجبّارة.

وفي عام 1930 تم تحويل القنصلية السوفياتية في جدة إلى سفارة. أما في عام 1932 فزار نائب الملك السعودي فيصل بن عبد العزيز الاتحاد السوفياتي، حيث طلب تقديم مساعدات اقتصادية إلى المملكة، لكن الزعيم السوفياتي جوزف ستالين، المنهمك بالقضاء على الجوع المستشري في أرجاء الدولة السوفياتية الوليدة وتحويلها إلى دولة صناعية جبارة، لم يلبّ هذا الطلب، بل دفعه زهده بتنمية العلاقات مع هذه الدولة الصحراوية الفقيرة آنذاك إلى استدعاء السفير السوفياتي عام 1938.
في هذه المرحلة بدأت الخلافات الإيديولوجية بين البلدين بالتفاقم؛ ومع الوقت تحوّلت الرياض إلى خصم شرس للشيوعية، وكانت تحاول التأثير فكرياً في جمهوريات الاتحاد السوفياتي المسلمة. وتحولت هذه الخصومة إلى مواجهة شبه مباشرة في الثمانينيات من القرن الماضي في أفغانستان. وقامت الرياض بتمويل المسلحين الأفغان بمبالغ وصلت إلى 40 مليار دولار. واستمرت النزعة السعودية للتأثير في الجمهوريات السوفياتية المسلمة حتى بعد استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1990، وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 عبر إرسال المطبوعات الدينية. وجرت المواجهة الثانية غير المباشرة بين موسكو والرياض خلال الحرب الروسية الشيشانية الأولى (1994-1996)، عندما بدأ تدفّق «العرب الأفغان» على الشيشان بقيادة السعوديَّين خطاب وأبي الوليد، وانطلق هناك نشاط «القاعدة» بتوجيهات من السعودي أسامة بن لادن، ما جعل الأجهزة الأمنية الروسية تطلق وصف «الوهابي» على كل متطرّف إسلامي.
وقد سجّل بعض المحللين الروس أسماء عديد من كبار الشيوخ السعوديين الذين أصدروا الفتاوى بضرورة الجهاد في الشيشان، وقدموا دعمهم الشرعي لمحاربة الروس على الأراضي الشيشانية، الأمر الذي شجّع عدداً من الشباب السعودي، بحسب المستعرب الروسي المتخصص في شؤون الإرهاب ألكسندر إيغناتينكو، على التطوّع في صفوف المقاتلين الشيشان. وكان كثير من المختصين في موسكو يرون في السعودية ودول الخليج أكبر مصدر للتبرعات المقدمة إلى المقاتلين الشيشان.
وقال إيغناتينكو إن «الجمعيات الإسلامية الخيرية الخليجية موّلت بنشاط الجهود الإرهابية والتخريبية في روسيا». وشنّت وسائل الإعلام الروسية حملة شعواء على السعودية، ووصل الأمر ببعض الصحافيين الروس في نهاية التسعينيات إلى اتهام السفارة السعودية في موسكو بأنها مركز لدعم المتطرفين الإسلاميين في روسيا. واضطرت السفارة من حين لآخر إلى إغلاق المسجد الصغير الملحق بها أمام المصلّين من الدبلوماسيين العرب في العاصمة الروسية.
من ناحية أخرى، كانت الرياض تعلن بالفعل تعاطفها مع «الإخوة في الإيمان» في الشيشان. وقد أعرب الملك فهد عن «حزنه لمعاناة المسلمين في الشيشان»، وأمر بإرسال طائرتين محملتين بمواد إغاثة في عام 1999. ونظّم التلفزيون السعودي قبل أسبوع من ذلك حملة لجمع الأموال للشيشان، تمكّنت من تحصيل أكثر من 12 مليون دولار، تبرع الملك بخمسة ملايين منها.
وفي 16 أيار 2001، اختطف الشيشانيون طائرة ركاب روسية من طراز «توبوليف-154» أثناء توجهها من اسطنبول إلى موسكو، وانتهت عملية الاختطاف بقيام القوات الخاصة السعودية بعملية غير متوقعة قُتل على إثرها أحد الخاطفين وراكب تركي ومضيفة روسية. وطلبت النيابة العامة الروسية من السلطات السعودية رسمياً تسليمها الخاطفين، لكن حكام الرياض رفضوا ذلك، مشيرين إلى أنهم سيحاكمون الخاطفين وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، ما أثار أزمة جديدة بين البلدين.
وبعد هجمات 11 أيلول 2001 في نيويورك، وجدت القيادة الروسية الظرف مناسباً لانتهاز الفرصة وللنيل من الحليف السعودي لواشنطن، وعوّلت على تغيير الإدارة الأميركية موقفها من النزاع الشيشاني، ورفعت الصوت عالياً ضد «الإرهاب العالمي» الذي وقعت أميركا ضحية له. ولفت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى أن خمسة عشر من خاطفي الطائرات الأميركية كانوا سعوديين. وكان الرئيس الروسي بين القادة الأوائل الذين أعربوا للرئيس الأميركي جورج بوش الابن عن تعاطفهم واستنكارهم لما حدث، وأرسل وزير خارجيته آنذاك إيغور إيفانوف إلى واشنطن في 19 أيلول 2001. وأصبح المستشرقون الروس أنفسهم يشككون في جدوى العلاقات مع العالم العربي؛ وتساءل نائب مدير معهد «الاستشراق الروسي»، أناطولي يغورشين، «ما هو الأهم بالنسبة إلينا؟ الشرق الأوسط أم أميركا؟ ـ بالطبع، أميركا». لكن سرعان ما اعترت خيبة الأمل كبار الموظفين الروس في أروقة الكرملن من مواقف الولايات المتحدة التي لم تتغير من روسيا بعد 11 أيلول أيضاً.
وبالتوازي مع الوحشية التي تميزت بها الحرب الشيشانية الثانية (1999-2000)، والتي انطلقت تحت قيادة رئيس الحكومة حينها فلاديمير بوتين، ونال شعبية اعتلى بفضلها سدة الرئاسة، بدأت حملة داخلية للدعاية للنموذج الإسلامي التتري المعتدل بفضل سياسة رئيس تتارستان منتيمير شايمييف المعتدلة، مقابل النموذج القوقازي، وجرى صرف مليارات الدولارات على إعادة بناء الشيشان. ولكن القيادة الروسية أدركت أنه من دون تفعيل العلاقات الروسية مع العالم الإسلامي، ومن دون تنشيط العلاقات الروسية السعودية بالذات، يستحيل إنهاء النزاع الشيشاني. وأعلن الكرملن سياسة التقارب الروسي ـ الإسلامي، وبدأ بترميم الجسور المقطوعة مع السعودية. وتوالت زيارات مسؤولي البلدين المتبادلة: ففي الثامن عشر من نيسان عام 2002 قام وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل بزيارة عمل لموسكو، تركزت مباحثاته فيها مع نظيره إيغور إيفانوف على الوضع في المنطقة وفي العراق وسبل تحقيق مبادرة بيروت السعودية بشأن الشرق الأوسط، كذلك التقى الرئيس الروسي أيضاً. وفي 3 أيلول 2003 زار ولي العهد آنذاك عبدالله بن عبد العزيز روسيا، وكتبت في حينه صحيفة «كوميرسانت» الروسية المطلعة أن الجانب السعودي عرض توظيف 200 مليار دولار في الاقتصاد الروسي، مقابل تقليص التعاون مع طهران.
وبعد أشهر من ذلك، لبّى الرئيس الشيشاني الموالي لموسكو أحمد قديروف دعوة رسمية من ولي العهد السعودي عبدالله، وقام بزيارة مفاجئة للرياض في منتصف كانون الثاني 2004. وحققت زيارة قديروف أهدافاً عديدة، بينها: الاعتراف الرسمي السعودي بالرئيس الشيشاني، ورفع الغطاء الإسلامي عن المقاتلين الشيشانيين، وحرمانهم من تلقّي أي نوع من الدعم المالي والمعنوي، وانحياز الرياض نهائياً إلى الفهم التتري للإسلام، لا القوقازي المتعصب، ما سهّل على روسيا الانضمام إلى منظمة المؤتمر «التعاون» الإسلامي بصفة مراقب في حزيران عام 2005.
في هذا الوقت، بدأت الجهود الجبارة لرئيس الوزراء الروسي الأسبق يفغيني بريماكوف لإرساء تعاون اقتصادي جدي بين السعودية وروسيا، تؤتي ثمارها، بعد تشكيل مجلس الأعمال الروسي ـ السعودي، وعقد أولى جلساته في موسكو في عام 2003، حيث وقعت شركة «لوك أويل» النفطية الروسية في عام 2004 مع السلطات السعودية عقداً حول التنقيب عن الغاز في حقل «أ» في الربع الخالي يسري مفعوله 40 سنة. ولتحقيق المشروع، أُنشئت مؤسسة «لوك سار» الروسية ـ السعودية المشتركة، التي يعود 80% من أسهمها إلى «لوك أويل». وكانت الشركة الروسية تنوي توظيف ثلاثة مليارات دولار في استخراج الغاز، ما جعل الإعلام الرسمي الروسي يخفف من هجماته على السعودية. وفي 9 أيلول 2004، أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لصحيفة «فريميا نوفوستي» الروسية أن بلاده ترفض «محاولة إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام والعرب». وذكر أن «روسيا تؤكد باستمرار أن لا قومية للإرهاب»، مشيداً بدور السعودية في مكافحته. وزار وزير الخارجية الحالي سيرغي لافروف الرياض في أيار 2006 للإعداد لزيارة الرئيس الروسي للرياض في 11 شباط 2007. ولتهيئة الأجواء الملائمة للزيارة ولتبديد تهمة التطرف نهائياً عن الرياض، أعلن رئيس هيئة جائزة الملك فيصل العالمية وأمير منطقة عسير السعودية، خالد الفيصل، في 13 كانون الثاني 2007، أن اللجنة قررت منح جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام إلى رئيس جمهورية تتارستان الروسية منتيمير شايمييف، ونوّهت صحيفة «عكاظ» السعودية بأن «تتارستان مثال للتعايش الاجتماعي السلمي ورمز للتسامح».
من جهتها، تحدثت صحيفة «كوميرسانت» الروسيّة، بعد زيارة بوتين للرياض، عن مشروع لشركة «سكك الحديد الروسية» بمدّ 300 ـ 350 كيلومتراً من شبكة سكك الحديد، البالغ طولها 2600 كيلومتر، التي ستربط شمال السعودية بجنوبها، وذلك إضافة إلى مدّ 621 أنبوباً لتصريف المياه وبناء 20 معبراً للجمال و26 نفقاً للقطارات والسيارات و8 جسور لسكك الحديد. وكانت قيمة المشاركة الروسية تصل إلى نحو مليار دولار. لكن أحد أعضاء الوفد الروسي في المباحثات استبعد على الفور فوز الشركة بمناقصة البناء، لتعرضها لمنافسة شديدة من شركة «بن لادن» السعودية.
غير أن ذلك لم يمنع موسكو والرياض من توقيع اتفاق حول التعاون العسكري في عام 2008.
وفي عام 2009، توقعت «إنترفاكس» أن تصبح السعودية أحد كبار مشتري الأسلحة الروسية. وذكر مصدر للوكالة الروسية للأنباء أن الحديث يدور حول تزويد الرياض بـ150 مروحية من مختلف الأنواع، وأكثر من 150 دبابة «تي-90 إس»، إضافة إلى نحو 250 آلية مشاة قتالية «بي إم بي-3» وعشرات من منظومات الدفاع الجوي الصاروخية، بما يزيد على 4 مليارات دولار، كل ذلك مقابل وقف توريد الأسلحة إلى إيران.
ونقلت وكالة «رويترز» عن مصادر في الشرق الأوسط ودبلوماسيين غربيين في مطلع آب من عام 2013 أن الأمير بندر بن سلطان قام بزيارة سرية لموسكو، حيث اقترح على الرئيس فلاديمير بوتين عقد حزمة من الصفقات لشراء الأسلحة الروسية بقيمة 15 مليار دولار مقابل «تقليص» مساندة الرئيس السوري بشار الأسد، الأمر الذي نفته الحكومة الروسية بشدة، معلنة أن التعاون العسكري مع السعودية غير مرهون بقضايا أخرى.
وهكذا يمكن فهم حنق الأمير سعود الفيصل والمسؤولين السعوديين، الذين يمارسون السياسة ويساومون فيها كما في بازار شرقي، ولا سيما أن طريقة تعاملهم، التي نجحت في كل مكان في شراء الذمم، قد منيت بالفشل في روسيا.
وكما قال مسؤول روسي رفيع: «نريد طرح الأوراق كافة على طاولة المباحثات، واضعين نصب أعيننا مصالح روسيا قبل كل شيء، ولا نقبل بعقد صفقات تحت الطاولة».