لوزان | بدأت لحظات الحسم في جولات لوزان التفاوضية النووية بين إيران ودول «5+1»، مع توقعات غير إيرانية بتمديد التفاوض حتى نهار غد ومؤشرات شبه مؤكدة على اتجاه الوفود إلى إعلان ختامي، بمثابة بيان، يتم التفاهم عليه من قبل جميع الأطراف المتفاوضة، رغم أن فرضية الاتفاق لا تزال مطروحة.

زجّت السداسية بوزراء خارجيتها المتوافدين تباعاً في معركة سياسية، فيها الكثير من التنافس بين دول أوروبية والولايات المتحدة بسبب تناقض مصالحها إزاء أي اتفاق يوقع مع إيران، التي لا ترضى بما هو أدنى من رفع العقوبات دفعة واحدة وبشكل كامل.

وعلى هذا الأساس، جدّد الطرف الإيراني، أمس، التصريح بأن لا اتفاق حتى الآن، لأن «هناك مسائل لا تزال تتطلب حلاً»، بعدما كان العديد من الدبلوماسيين الغربيين، قد تحدثوا عن تسوية تشمل نقاطاً رئيسية عدة.
هؤلاء قالوا إن إيران والدول الست توصلت إلى اتفاق أولي حول عناصر أساسية ضمن تسوية تنص على أن تحد إيران بشكل كبير من أنشطتها النووية. وأوضحوا أن طهران وافقت «إلى حدّ ما» على خفض عدد أجهزة الطرد المركزي لديها، بأكثر من الثلثين وعلى نقل معظم مخزونها من اليورانيوم العالي التخصيب إلى الخارج.
لكن الدبلوماسيين الإيرانيين نفوا ذلك، وأكدوا أن الحديث عن عدد محدّد من أجهزة الطرد المركزي وتصدير المخزون هي مجرد «تكهّنات صحافية». أحدهم ردّ على هذه «التكهنات» بالقول إن «الواقع هو أننا سنحتفظ بعدد كبير من أجهزة الطرد المركزي ولن يتم إغلاق أي موقع وخصوصاً فوردو.

شتاينماير حذر من المخاطر الكبيرة في المفاوضات مع إيران
هذه هي أسس المحادثات»، فيما علّق المفاوض بهروز كمالوندي على المحادثات بين رئيس المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية علي أكبر صالحي ووزير الطاقة الأميركية ايرنست مونيز، بالقول إنه «في ما يتصل بالمسائل التقنية، فإن المواقف تقاربت».
الأهم من ذلك كله أن التفاهم قد «يأخذ شكل إعلان تدلي به كل الأطراف»، وفق ما أفاد مصدر إيراني آخر، قال إنه «إذا تمكنّا من تسوية المشاكل المتبقية اليوم أو بحلول يومين أو ثلاثة، فسنتمكن من البدء بصياغة نص. لكن في الوقت الحالي، نحن لا نزال نتباحث».
زحمة اللقاءات والاجتماعات التي تعيشها المفاوضات، قبل انقضاء مهلة نهاية شهر آذار، تصب في هذا الإطار. وزير خارجية الصين وصل إلى لوزان والتحق بنظيريه الفرنسي والألماني (اللذين ألغيا زيارة مشتركة لكازاخستان)، لينضمَّ إليهم لاحقاً البريطاني، فيما يؤشِّر وصول الوزير الروسي سيرغي لافروف، مساء أمس، إلى اقتراب المفاوضات من خطوة تحدّد مسارها ومصيرها في مرحلة لاحقة.
كذلك، يدخل إلغاء وزير الخارجية الأميركي جون كيري سفره إلى الولايات المتحدة، في السياق نفسه. فقد أعلنت المتحدثة باسمه أنه لن يتوجه إلى بوسطن لحضور حفل تكريمي للسيناتور الراحل إدوارد كنيدي، الذي كان بمثابة مرشد لكيري في عالم السياسة.
على الخط ذاته، استكمل الرئيس الإيراني حسن روحاني جولة رسائله ومحادثاته الهاتفية مع زعماء الدول الكبرى. ووفق وكالة «فارس»، فقد أجرى اتصالاً بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، أكد خلاله أن «إيران أبدت المرونة اللازمة في المفاوضات النووية»، واعتبر أنه «جاء الدور الآن للطرف الآخر ليبدي المرونة». وشدد روحاني على أن «إلغاء الحظر يمثل النقطة الأساسية لأي اتفاق». أما ميركل، فقد قالت «نحن أيضاً نعتقد بإلغاء إجراءات الحظر، نرغب في أن نشهد في العام الإيراني الجديد اتفاقاً شاملاً، ألمانيا ستبذل أقصى جهودها في هذا المجال».
ولكن رغم ما تقدّم ورغم التفاؤل الذي عبّر عنه وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، إثر لقائه نظيريه الألماني فرانك فالتر شتاينماير والفرنسي لوران فابيوس، السبت، إلا أن التصريحات الغربية لا تزال تتسم بالتناقض الذي يتجلّى في تشديدها الدائم على تقديم تنازلات إضافية من قبل إيران. فقد حذّر شتاينماير، أمس، ممّا وصفه بالمخاطر الكبيرة في المفاوضات النووية مع إيران. وقال إن من المحتمل حدوث المزيد من الأزمات قبل الموعد المحدد في نهاية الشهر، للتوصل إلى إطار اتفاق. كما أعلن المتحدث باسم البيت الأبيض جوش ايرنست، أنه حان الوقت لتوجه إيران «رسالة واضحة» وتنتقل إلى الأفعال.
هذا الأخير قال لقناة «ايه بي سي»، «هل سيتعاطون بجدية مع التدابير التي اتخذت ويدعمون بالأفعال خطابهم القائل إنهم لن يحاولوا حيازة السلاح النووي؟ إذا أرادوا اتخاذ هذه الالتزامات، فعليهم أن يكونوا قادرين على القيام بذلك بحلول نهاية آذار».
وتأتي هذه التصريحات، أيضاً، لتناقض ما كان قد أدلى به كبير المفاوضين الروس سيرغي ريابكوف عن أن «فرص (التوصل إلى اتفاق) تتجاوز خمسين في المئة»، معتبراً أنه «إذا فشلت المفاوضات، فلن يكون ذلك ذريعة لتغيير كل نظام التفاوض. لقد راكمنا عملاً كثيراً إلى درجة بات الفشل غير مسموح به»، ومذكراً بأن 30 حزيران، هو مهلة التوصل إلى اتفاق نهائي.
يبقى أن أحد المفاوضين الإيرانيين ردّ على التصريحات الغربية بالقول إن «على الأطراف المعنية التخلي عن مطالبها المبالغ فيها واتخاذ قرار استراتيجي، في ما إذا كانوا يريدون الاتفاق أو الضغط».
السرعة في إلغاء العقوبات وتنافس نفوذ مصالح الدول الأوروبية مع الولايات المتحدة عرقلا، إلى حين، الوصول إلى الإنجاز التاريخي. وتشير مصادر مقرّبة من جلسات التفاوض الماراثونية إلى أن متغيّرات في موازين قوى المنطقة ساهمت في حسم آخر فصول تلك المفاوضات، وسرّعت من وتيرتها وجديتها. وآخر هذه المتغيّرات صمود مقاومة اليمن في وجه العدوان السعودي ــ الأميركي.
ولكن فرصة الاتفاق إن ولّت فلن تعود أبداً. ورغم إصرار الجانب الإيراني على حصرها في الملف النووي تحديداً، إلا أنها سترسم حدود قواعد الاشتباك وتحدد خرائط نفوذ إقليمية ودولية لم تعد حلّتها القديمة تليق بتحديات المستقبل.