قبل الانتخابات الإسرائيلية بفترة قصيرة كان الخلاف بين أميركا وإسرائيل دائراً حول ملف المفاوضات النووية التي تقودها واشنطن مع طهران. لكن قبل يوم على هذه الانتخابات، برز تصريح رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، المستجد والرافض لقيام دولة فلسطينية، ليصب الزيت على نار الأزمة بين الحليفين، وليُشعر الولايات المتحدة بأن عملية السلام التي تقودها تواجه خطراً جديداً، رغم أنها طالما واجهت هذا الخطر بوجود نتنياهو في السلطة، بموازاة سياساته الاستيطانية المستهجنة أوروبياً ودولياً. هذه الخلاصة كانت من أبرز ما استنتجته الصحف الأميركية التي بادرت، أمس، إلى تلمّس تأثير انتصار «بيبي» على العلاقة الأميركية ــ الإسرائيلية، خلال السنتين المقبلتين والباقيتين من ولاية الرئيس باراك أوباما.


ورغم أن المتحدث باسم البيت الأبيض، جوش إرنست، كان قد أكد في بيان أن أوباما «ملتزم العمل مع الرابح في الانتخابات الإسرائيلية من أجل العمل على توطيد وتعمّق العلاقة القوية بين الولايات المتحدة وإسرائيل»، لكنّ ذلك لم يكن كافياً ليضع حداً لهواجس المراقبين الذين استشرفوا المرحلة المقبلة.
«بإعلانه أنه يعارض قيام دولة فلسطينية، وهو ما يشكل الجزء الأساسي في العقيدة السياسية الأميركية الخارجية المرتبطة بالشرق الأوسط، تتهدّد الآمال باستئناف محادثات السلام في المنطقة»، عقّبت صحيفة «نيويورك تايمز» التي أشارت أيضاً إلى أن بقاء نتنياهو على رأس السلطة الإسرائيلية، «يعني أن معارضته للمفاوضات مع إيران ستكون أكثر حدّة، في ظل الاقتراب من المهلة النهائية من أجل التوصل إلى اتفاق نووي».
في السياق، أشار بول ريختر وديفيد لوتر، في مقال في صحيفة «لوس أنجلس تايمز»، إلى أن «مارتن انديك الذي يقود الجهود الأميركية من أجل التوصل إلى اتفاق سلام بين إسرائيل وفلسطين، قال أخيراً إنه إن لم تستأنف الحكومة الإسرائيلية الجديدة مفاوضات السلام، فإن إدارة أوباما قد تنضم إلى غيرها من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، لتبنّي قرار يضع المبادئ الأساسية لتسوية سلمية».
وبناءً عليه، رأى ريختر ولوتر أن خطوة كهذه «يمكن أن تؤدي إلى النفور مع إسرائيل، التي طالما اعتمدت على الدفاع الأميركي عنها في الأمم المتحدة، خصوصاً أنها لا تريد من القوى الدولية التدخل في مفاوضاتها مع الفلسطينيين».
بحسبهما، فإن إسرائيل «تحتاج إلى الدعم الأميركي اليوم أكثر من أي وقت مضى، ذلك أن صبر الحكومات الأوروبية بدأ ينفد... بسبب مواصلة جهود حكومة نتنياهو للتوسع غير الشرعي، بالاستيطان اليهودي في الأراضي الفلسطينية».
الحليفان يمكن أن يتصادما، خلال الأشهر القليلة المقبلة، إذا توصل المفاوضون الأميركيون وممثلو الدول الكبرى إلى اتفاق مع إيران من أجل وضع حد لبرنامجها النووي. فوفق بول ريختر وديفيد لوتر، «قد يستخدم نتنياهو ــ الذي أعلن بوضوح أنه سيعارض أي اتفاق محتمل ــ تقديرات استخباراته لتحدي التقويم الأميركي لكيفية منع الاتفاق إيران من الوصول إلى القنبلة النووية».
مايكل توماسكي غاص أكثر في تفاصيل السياسة الأميركية الإسرائيلية والخلافات الحزبية، ارتباطاً بإسرائيل وانطلاقاً من الحزب الجمهوري الذي «سيلحق بيبي إلى حيث يقوده».
واستناداً إلى تصريح نتنياهو، قبل يوم على فوزه، برفضه حلّ الدولتين، رأى توماسكي في تقرير على موقع «ديلي بيست» أنه «يجب توقّع لحاق الجمهوريين به (في إطار هذا الموقف) والقضاء على نقطة نادرة من الوحدة مع الديموقراطيين».
«الإجابة عن مدى تأثير إعادة انتخاب نتنياهو على سياساتنا في الولايات المتحدة، مخيفة بشكل بسيط»، عقّب توماسكي. وهو إذ رأى أن «ذلك لن يحصل مباشرةً... لكن على ما يبدو إن انتصار نتنياهو سيؤدي، مع الوقت، إلى تطرّف الحزب الجمهوري أكثر نحو اليمين، حتى يحتضن بشكل غير رسمي (أو ربما بشكل رسمي) موقف نتنياهو الجديد والمأسوي المتمثل في معارضة قيام الدولتين».
في شقّ آخر منه، يأتي انتصار بنيامين نتنياهو ليقضي على آمال باراك أوباما، في أن «يكون لديه وسيلة لوضع حدّ للعلاقة المضطربة والشائكة مع رئيس الحكومة الإسرائيلية»، وفق الصحف الأميركية. وبحسب «نيويورك تايمز»، «فإذا تمكن بنيامين نتنياهو من تأليف حكومة في الأسابيع المقبلة، سيصبح خصماً أكثر تمكناً في وجه الولايات المتحدة، خلال السنتين الأخيرتين من رئاسة أوباما».
كذلك الأمر بالنسبة إلى «وول ستريت جورنال» التي رأت أن «انتصار نتنياهو يعتبر خبراً مريراً بالنسبة إلى باراك أوباما، الذي عمل جاهداً على هزيمة الزعيم الإسرائيلي، من خلال محاولة منعه (نتنياهو) من إلقاء خطابه أمام الكونغرس، والتقليل من أهمية هذا الخطاب». لكن الصحيفة عقّبت بالإشارة إلى أنها «ليست من عادات أوباما الإقرار بالأخطاء، أو أن يكون شاكراً لمعارضيه»، لتستنتج أن «سياسة إسرائيل الخشنة غير كاملة، مثل سياستنا، لكنها الوحيدة التي يمكن الاعتماد عليها في الشرق الأوسط الدموي».
(الأخبار)