لم يكن تراجع سعر صرف اليورو أمام الدولار إلى أدنى مستوى له خلال 12 عاماً تطوراً مستغرباً. فإجراءات المصرف المركزي الأوروبي لتحفيز اقتصاد الوحدة النقدية في القارة المرهقة، هي الوصفة المطلوبة لهذا التدهور.

إذ تقضي هذه الإجراءات بضخ النقد في الأسواق، بمعدل 60 مليار يورو شهرياً، عبر شراء سندات دين الدول الأعضاء إضافة إلى شراء أصول بعض الشركات الخاصة لتحرير السيولة وتمكينها من الاستثمار، وشراء دين بعض المؤسسات الأوروبية. المعادلة بسيطة: كلما زاد عرض عملة ما في السوق، نحا سعرها صوب التراجع؛ وفي هذه الحالة السعر هو عبارة عن معادلة أمام الدولار ـ أي سعر الصرف.

خلال أربعة أيام فقط من بدء تنفيذ البرنامج، عمد المصرف الأوروبي إلى شراء سندات خزينة بقيمة 9،8 مليارات يورو، أي ما يعادل 10،4 مليارات دولار؛ وهو مبلغ كبير نسبياً، أدى بدرجة هائلة إلى خفض في معدلات الفائدة على سندات الخزينة للبلدان الأوروبية؛ تراجعٌ «أقل ما يُمكن وصفه بأنه دراماتيكي» ـ وفقاً للتعبير الذي استخدمته وكالة «بلومبيرغ».
بمعنى آخر، تشهد بلدان منطقة اليورو حالياً مرحلة رخاء في سوق الاقتراض، نتيجة وفرة اليورو الذي يستخدمه المركزي لشراء تلك السندات نفسها، في إطار البرنامج المذكور الذي يستمر بين آذار 2015 وأيلول 2016.

هل تُنتشل أوروبا
من مستنقع أغرقها فيه رعاة البقر وبؤس بعض سياسييها؟

تأتي هذه الخطوة الأوروبية بعدما لعبت السلطات النقدية الأميركية اللعبة نفسها ومضت طوال فترة مع بعد الأزمة المالية والركود العظيم الذي لحقها، تضخ ما يزيد على 80 مليار دولار شهرياً عبر شراء السندات؛ ومع بداية عام ٢٠١٥ أعلنت المديرة الجديدة للمصرف الفدرالي الأميركي، جانيت يلين، أنها ستوقف برنامج طبع الدولارات لشراء السندات ودعم الاقتصاد.
جاء هذا القرار بعد مؤشرات نمو قوية سجلها الاقتصاد الأميركي آخرها كان في شباط الذي سجّل خلق 300 ألف فرصة عمل جديدة تقريباً. وكان مدير المصرف المركزي الأوروبي ماريو دراغي ـ المشهور بعبارة عُدّت تاريخية وفقاً لمعادلات السوق: «سنفعل كل ما هو متاح لحماية اليورو» ـ قد أشار منذ أيار الماضي إلى أن سعر الصرف المرتفع لليورو هو «سبب لعوامل قلق خطيرة» ولذا فإن السعي إلى تغيير هذا الوضع ضروري جداً.
وبعد هبوط سعر صرف اليورو أمام الدولار إلى أدنى مستوى له خلال أكثر من عقد، أعرب الإيطالي المخضرم، عن ارتياحه لهذا التطور، لأن العملة الأوروبية الضعيفة تساهم في إنعاش اقتصاد اليورو، وقال حرفياً إن هذه التطورات «توضح أن المسار هو في الاتجاه الصحيح».
إذ على العكس تماماً مما يوحيه الانطباع الأولي فإن اليورو الرخيص يعد إيجابياً لأوروبا كونه يجعل منتجاتها أرخص في العالم، وبالتالي قادرة على المنافسة أكثر وعلى غزو أسواق وربما شرائح استهلاكية جديدة. ومن شأن هذا الانتعاش في الطلب أن يزيد تدفق العملات الصعبة إلى الخزنات الأوروبية ليدعم برامجها الاقتصادية والنقدية.
من جهة أخرى، تصبح السلع الأجنبية التي تستوردها منطقة اليورو أغلى على المستهلكين، ما يحفز بدوره الطلب على السلع المحلية ما يخلق حلقة طلب إيجابية.
أما الأهم، فهو أنه كلما زاد الطلب على تلك السلع تحفَّز الانتاج والتشغيل على الأراضي الأوروبية وبالتالي زيادة التوظيف وخفض معدلات البطالة. وهذه قضية حيوية، فمعدلات البطالة تتجاوز ١١٪ في منطقة اليورو، وللمقارنة هي تساوي نصف هذا المعدل في الاقتصاد الأميركي. وتصبح معدلات التشغيل أسوأ في بلدان مثل اسبانيا واليونان حيث تبقى البطالة عنيدة فوق ٢٠٪ و٢٥٪.
فعلياً وقبل انطلاق برنامج التحفيز الذي يسمى التسهيل الكمي، بدأت إشارات إيجابية تظهر من منطقة اليورو حتى في ظل التأزم الأخير في اليونان. وكانت أن توقعت المفوضية الأوروبية أن تسجل المنطقة نمواً اقتصادياً هو الأول منذ أكثر من خمس سنوات؛ هذا التحول ناجم عن تحسن المؤشرات في الاقتصاد الألماني وهو الأول أوروبياً، إضافة إلى انتعاش الاقتصادات الهشة التي تعثرت خلال أزمة عام ٢٠٠٩ وهي البرتغال، إيطاليا، إيرلندا، اليونان وإسبانيا (ويرمز إلى هذه المجموعة بتعبير PIGS وهو لعب على الكلام حرفيته مجموعة الخنازير).
إذاً، من المنظور الواسع يربح اقتصاد اليورو من جرّاء تراجع سعر عملته أمام الدولار، ولكن هناك رابحون آخرون في هذه المعادلة؛ من غيرهم، الشريحة الاستهلاكية المدللة في هذا العالم: الطبقة الوسطى الأميركية.
ذلك أنه مع تراجع اليورو تصبح المنتجات الأوروبية مباشرةً أرخص للمستهلك الأميركي، الذي يسجل معدل استهلاك هو من الأكبر في العالم، اذ يعادل ٧٥٪ من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي وهو بدوره الأكبر عالمياً.
وليس هذا الدلال الأميركي متعلقاً فقط بسعر صرف اليورو أمام العملة الخضراء، فمنذ فترة يسجل سعر الدولار قفزات أمام مجموعة من العملات أبرزها الين الياباني، الدولار الكندي، الدولار الاسترالي.
وخلال العام الحالي فقط شهدت العملة الأميركية تحسن سعر صرفها بنسبة تقارب 25 في المئة.
ولكن ماذا عن المرحلة المقبلة؟
هناك شبه إجماع في السوق على أن التأثير الحامي والسريع لبرنامج التسهيل الكمي الذي ينفذه المصرف المركزي الأوروبي، بالتوازي مع ارتفاع معدلات السيولة الفائضة في ظل نسب الفوائد السلبية التي تدفع المستثمرين صوب الأصول الخطيرة، جميعها عوامل ستُضعف اليورو أكثر.
السؤال الطاغي في هذه المرحلة هو حول ما إذا كان اليورو والدولار سيتساويان، ولكن قد تنقلب الموازين النقدية برمتها وتُطرح معها التساؤلات المختلفة، إذا أصبح الدولار أغلى، وهو وضع يستفيد منه اقتصاد اليوور برمته.
إذا استطاع المصرف المركزي الأوروبي إلى سيناريو كهذا سبيلاً، متخطياً التوترات الأوروبية الأميركية عبر «الأطلسي»، ونجح في نهاية المطاف في خلق فرص العمل وخفض معدلات البطالة، فإن رئيسه سيستحق فعلاً لقب «سوبر ماريو»، لكونه المنقذ الذي انتشل أوروبا من مستنقع أغرقتها فيه السياسات الأميركية وطريقة رعاة البقر في إدارة الأعمال، وعمقت هي نفسها مأساتها نتيجة ترهلها الاقتصادي، وبؤس بعض سياسييها.