نيويورك | إنه أول عصيان بريطاني للولايات المتحدة منذ نهاية حرب السويس (العدوان الثلاثي على مصر) في عام ١٩٥٦. تمردت بريطانيا أخيراً وقررت الانضمام إلى بنك تنمية آسيوي تنشئه الصين، فهل تمثل الخطوة نهاية النظام العالمي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية؟ وهل يصبح خاتمة لكل ما تمخضت عنه معاهدات بريتون وودز؟ الأميركيون يستشيطون غضباً من «القرارات الانتهازية» البريطانية، ويستشعرون أن الخطر يتهدد نظامهم القائم على دعم عالمي غير محدود لرفاهيتهم وإسرافهم.


كان من الطبيعي أن تسعى الصين إلى ريادة العالم اقتصادياً بعد تحليق شركاتها عالياً وطغيان تجارتها على كل ما عداها، وهذا من حقها. فهي صاحبة أكبر الأسواق وأرخص المنتجات والمراكز الصناعية العالمية. كذلك تتمتع باحتياطي نقدي يزيد على 6 تريليونات دولار. وفي المقابل تعاني الولايات المتحدة مديونية تزيد على ١٨ تريليوناً من الدولارات. وفي الحساب السكاني، لا تجوز المقارنة بين الدولتين (1.4 مليار صيني أصيل في مقابل أدنى من 320 مليون أميركي مختلطين).
لم يصدق الرئيس الأميركي، باراك أوباما أن بريطانيا ستتخذ قراراً كهذا. فهي الدولة التي سارت بحماية الولايات المتحدة وتحت مظلتها منذ تهديد الرئيس دوايت أيزنهاور بجعل الجنيه الاسترليني يصبح صفراً، إذا لم تسحب لندن قواتها من مصر عام 1956. آنذاك، تصرفت بريطانيا من دون تشاور مع «السيد الأميركي».

ستشارك لندن في تأسيس بنك «آسيا» الذي تعمل الصين على إنشائه
شنت مع إسرائيل وفرنسا حرباً لتحتل سيناء وقناة السويس من دون إخطار الولايات المتحدة التي كانت تدعم إعادة بنائها بعد الحرب الثانية. عندها تعلمت بريطانيا الدرس، ولم تجرؤ بعدها على اتخاذ أي قرار يخالف الإرادة الأميركية.
لكن الأوضاع تبدلت بعدما «شاخت» الإمبراطورية الأميركية. قررت بريطانيا المشاركة في تأسيس بنك آسيا للاستثمار في البنى التحتية (الأساسية) الذي تعمل الصين على إنشائه. وبذلك تكون الدولة الأولى في مجموعة السبع التي تودّ الانضمام إلى هذا المشروع في تشرين الأول المقبل. ونقلت الصحافة الأميركية والبريطانية أن الرئيس الأميركي باراك أوباما وجه «تأنيبا نادراً» لبريطانيا على قرارها الذي يتجاهل كل المساعي الأميركية لدى الحلفاء من أجل منع التعامل مع المؤسسات المالية التي ترعاها الصين، لما يمكن أن تمثّله من تقويض لهيمنتها على النظام المالي العالمي. نظامٌ بات يخضع بكامله للقوانين الأميركية، بحيث إن المصارف السويسرية والفرنسية والبريطانية، فضلاً عن الأميركية، باتت تدفع غرامات بعشرات مليارات الدولارات فقط جراء مخالفة عقوبات تفرضها واشنطن أحاديا على دول مثل إيران وسوريا وكوريا الشمالية وروسيا.
بالطبع بريطانيا لا تقوم بذلك انطلاقاً من طهارة سياسية، لكنها لا تريد أن تكون من الخاسرين عندما تتبدل الخرائط المالية. ولقد كسبت خبرة عالية في تبديل الأشرعة منذ خسارتها الولايات المتحدة التي كانت إحدى مستعمراتها قبل بضعة قرون.
صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية نقلت عن مسؤولين أميركيين غضبهم من أن بريطانيا لم تتشاور مع الولايات المتحدة حول المساهمة في المؤسسة المالية الصينية. ونقلت عن أحد كبار المسؤولين في واشنطن قوله، «سئمنا من التكيف المستمر في السياسة البريطانية مع أهواء الصين، فهذا الأسلوب ليس الأفضل للتعاطي مع قوة صاعدة». وكان المقصود بذلك تمنّع بريطانيا عن انتقاد السياسة الصينية في أحداث هونغ كونغ الاحتجاجية. وعندما صعّدت واشنطن حملتها على بكين بشأن التيبت ووقفت مع الدالاي لاما، كان موقف بريطانيا موارباً.
البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومعهما بنوك التنمية الإقليمية الأخرى، كانت أدوات فعالة في يد الإمبراطورية الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لا أحد يستطيع تمويل مشروع تنموي أو إنقاذ إقتصاد من الانهيار المالي من أموال تلك المؤسسات إذا لم يكن يرضي الإدارة الأميركية أو الكونغرس. وعندما تسعى الصين إلى إيجاد مؤسسات مالية موازية، فإنها تودّ، عن عمد، كسر الآحادية التي مارستها واشنطن في هيمنتها التامة على كل مفاصل النظام المالي العالمي. هيمنة باتت مطلقة بعد عام ١٩٧١ عندما حلّ الدولار الورقي محل الليرة الذهبية، وتضاعفت الهيمنة في العقود الأخيرة بعد فرض القوانين الوطنية الأميركية على الكتل المالية المختلفة وإنهاء السرية المصرفية على نحو شبه تام. كذلك فإن نفوذ الولايات المتحدة قوي على معظم دول محيط المحيط الهادئ، وعلى المصارف الإقليمية من خلال المؤسسات المالية. وكانت هذه السياسة التحكمية وراء تمرد وتحدي دول مثل كوريا الشمالية، حيث لجأت بيونغ يانغ إلى إنتاج السلاح النووي بعدما ضيقت واشنطن الحصار عليها إلى حد تجميد مبلغ لا يزيد على ٢٥ مليون دولار في أحد المصارف الآسيوية.
استراتيجية الصين المالية لا تتوقف عند تأسيس بنك آسيا للاستثمار في البنى التحتية. فهي وقفت أيضاً وراء تأسيس بنك التنمية التابع لمجموعة «بريكس» (البرازيل وروسيا والصين وجنوب أفريقيا). وكذلك فإنها تموّل صندوق درب الحرير البالغ ٤٠ مليار دولار. وهذا المشروع يرمي إلى تعزيز التكامل بين دول وسط آسيا. والصين التي ضاعفت ميزانيتها الدفاعية تساعد العديد من الدول في أفريقيا وأميركا اللاتينية من أجل وقف ارتهانها للإرادة الأميركية. فهي تمول مشروع قناة نيكاراغوا التي ستنافس قناة بنما من حيث العرض، حيث تبلغ ثلاثة أضعاف، ومن حيث تقصير المسافة، لكونها أقرب إلى المكسيك والولايات المتحدة من قناة بنما.
إزاء كل هذا لم تستطع الإدارة الأميركية اجتراع إدارة بريطانيا ظهرها لها في مشروع بهذه الجسامة والحساسية والأهمية الاستراتيجية. ولقد عبرت بريطانيا عن المزيد من التجاهل من خلال تخفيف ميزانيتها الدفاعية إلى ما دون ٢ في المئة المطلوبة كحد أدنى من دول الناتو. وهي خطوة تأتي في وقت تتراكم الأعباء المالية الحربية على الحلف الذي يواجه تحدياً روسياً يمتد من جورجيا إلى السويد.
والمؤلم للجانب الأميركي في التحدّي البريطاني أن دولاً مثل أستراليا ونيوزلندا اللتين ترتبطان عضوياً بحوض المحيط الهادئ لم تعد تشعر بحرج إذا حذت حذو لندن، لأن الأمر سيكون صعباً لو أنها أرادت ذلك وحدها. ثم إن دولاً مثل تايوان وكوريا الجنوبية واليابان ستضطر لمراعاة مصالحها الإقليمية بناء على حسابات أكثر استقلالية، كما كان العالم لا يستطيع الإفلات من القبضة المالية الأميركية، فإن الدول لا تستطيع في هذا الوقت تجاهل السوق الصينية.
ينطلق قرار بريطانيا من رؤية اقتصادية انتهازية بعيدة المدى، إذ أدركت لندن أن القطار الصيني انطلق ولم يعد أحد قادراً على إيقافه. فكلّ من سيعترض سكّته سيكون عرضة للتحطيم. طبيعي أن يفضل البريطاني الجلوس بين ركابه على الجلوس في طريقه.
بريطانيا قررت أيضاً إصدار سندات خزينة في تشرين الأول المقبل بالعملة الصينية، الرنمنبي (الوان) لكي تحافظ لندن على مركزها المالي المحوري بالعملة الصينية الصاعدة، تماماً كما تعاملت مع اليورو منذ ظهوره عام ١٩٩٩ وإن عزفت عن الانضمام إلى العملة الأوروبية الموحدة. وهي تستفيد من كل الظواهر الاقتصادية الصاعدة ولا تقف في وجه العواصف، بل تتبع رياحها. حنكة مالية خبرتها من خلال تاريخ طويل من الحروب والصدامات المكلفة. فالبريطانيون ربحوا الحرب ضد فرنسا في معركة «ووترلو» بقيادة نابوليون، لكنهم خسروها مع ناثان روثشيلد في العام نفسه (١٨١٣)، عندما استحوذ الأخير على معظم سندات الدَّين البريطانية، وسيطر على بنك إنكلترا المركزي. حدث ذلك بخديعةٍ ماكرة، حيث روّج لكون فرنسا هي من ربح الحرب، فاشترى السندات البريطانية بأبخس الأثمان. بعدها، أصبحت عائلة روثشيلد شريكة لحكومة الملكة فيكتوريا في القرارات المالية والسياسية.
بانضمام بريطانيا إلى مشاريع الصين المالية تكون الصين قد أحرزت أكبر انتصار على طريق تقويض الهيمنة الأميركية على العالم. وهي تسعى إلى إنشاء مؤسسات مالية عدة، وهي: بنك التنمية الجديد (بنك «بريكس») ليحل محل البنك الدولي ومحل صندوق النقد الدولي، وبنك منظمة شنغهاي للتنمية، فضلاً عن بنك الاستثمار الآسيوي في البنى التحتية لكي يحل محل بنك التنمية الآسيوي. ويبقى السؤال أين سيكون موقع المال العربي في هذه المعادلة؟ هل يفك ارتباطه بنظام بات موضع شك حتى من قبل الحليف الأول للولايات المتحدة؟