موسكو | أثار مقتل السياسي الروسي المعارض بوريس نيمتسوف في وسط موسكو قبل أيام أسئلة محيرة، يحاول الصحافيون الإجابة عنها حتى الآن.

وعلى عكس ردود الأفعال المتحفظة للمسؤولين الغربيين، وعلى رأسهم الرئيس الأميركي باراك أوباما، الذين دعوا إلى إجراء تحقيق موضوعي وشفاف في الجريمة، فإن معظم وسائل الإعلام الغربية أصدرت حكمها القاطع على الفور: فلاديمير بوتين هو القاتل.
لكن العارفين ببواطن الأمور في موسكو يؤكدون أن الرئيس الروسي كان هو المتضرر الأكبر من عملية الاغتيال الاستعراضية عند أسوار الكرملين، التي وصفها بأنها عار يحمل صبغة سياسية. ولا سيما أن نيمتسوف «الثرثار»، كما وصفه قبل أيام عمدة موسكو السابق يوري لوجكوف، لم يكن يمثل أي خطر على سيد الكرملين، الذي يتجاوز مؤشر شعبيته 80%، برغم العقوبات الغربية والمصاعب الاقتصادية.

وقد بدأ السياسي اليهودي الشاب خطواته الأولى في عالم السياسة الكبرى، عندما أصبح عام 1991 ممثلاً مفوضاً للرئيس الراحل بوريس يلتسين في نيجني نوفغورود ثم حاكماً لها، حيث أجرى إصلاحاته الاقتصادية الجريئة التي وبرغم الخلاف القائم حول نتائجها إلى الآن داخل روسيا، أكسبته شهرة عالمية، كان من أبرز معالمها زيارة رئيسة الوزراء السابقة مارغريت تاتشر إلى هذه المقاطعة الروسية على ضفاف نهر الفولغا.
وفي السنوات اللاحقة، أصبح السياسي المشاكس، طفل يلتسين المدلل، لأنهما كما قالت أرملة يلتسين في تأبين نيمتسوف، «متشابهان بطباعهما»، أو متهوران ــ كما يقول الصحافيون ــ و«من هواة ركوب المخاطر».
وفي عام 1997، استدعاه يلتسين إلى العاصمة الروسية ليصبح نائباً أول لرئيس الوزراء.
غير أن المواطن الروسي العادي لا يتذكر عن نيمتسوف شيئاً، سوى تقديمه استقالته في عام 1998، إثر الأزمة المالية الشهيرة، التي افتعلها أصدقاؤه من أثرياء روسيا الجدد، ودمرت اقتصاد البلاد وجعلتها عاجزة عن السداد، وكذلك استقباله بالبنطلون الأبيض في المطار الرئيس الأذربيجاني الراحل حيدر علييف، الذي كان يقوم بزيارة رسمية إلى موسكو.
بعد ذلك، لم يعد نيمتسوف الوريث المرتقب لخلافة الرئيس الروسي، وأخذت أسهم رئيس مصلحة الأمن الفدرالية، فلاديمير بوتين، بالارتفاع، ليعتلي سدة الرئاسة عام 2000، وليمنى اتحاد القوى اليمينية، الذي تزعمه نيمتسوف وأناتولي تشوبايس وإيرينا خاكامادا، بفشل ذريع في الانتخابات البرلمانية عام 2003، حين لم يستطع الحصول حتى على نسبة 5% من الأصوات المطلوبة لدخول البرلمان.
منذ ذلك الحين، تفرق الليبراليون بين موال للسلطة ومعارض ناعم لها ومتصالح معها ومهاجر وعائد إلى المال والأعمال أو الصحافة، إلا نيمتسوف الذي جمع بين دور رجل الأعمال الوقح والمعارض الشرس لبوتين، وبخاصة على المسار الأوكراني، حيث أيّد بحماسة «الثورة البرتقالية»، وأصبح مستشاراً للرئيس الأسبق فيكتور يوشينكو، ثم للرئيس الحالي بيترو بوروشينكو، وعارض بشدة انضمام القرم إلى روسيا، وكان ينوي إصدار كتاب عن الدور الروسي في شرق أوكرانيا.
أما اتهام بوتين بتدبير قتل نيمتسوف، فاستخف به الصحافي الليبرالي الشهير، فلاديمير بوزنر، والمستعرب الصهيوني، غريغوري ميرسكي، وعزوَا الجريمة إلى أجواء العداء والكراهية السائدة في روسيا، وأرجعاها وكثيرين غيرهما إلى البروباغندا الرسمية، التي تتهم الموالين للغرب بأنهم خونة وطابور خامس.
غير أن جولة سريعة على الصحافة الروسية الليبرالية تظهر حجم الاحتقار، الذي تتعامل به هذه الصحافة مع أي وطني روسي. فقد اقترح معلق إذاعة «صدى موسكو» الصهيوني، ماتفيي غانابولسكي، حجز 87% من الروس، الذين تشير استطلاعات الرأي إلى تأييدهم لبوتين، خلف ستار حديدي لأنهم «سفلة خطرون وذوو عقلية سوفياتية منحطة».
إلى ذلك، فإن نجم المعارضة الروسية الجديد، ألكسي نافالني، يكاد يتهم بوتين بأنه صوّب بندقيته من إحدى نوافذ الكرملين على نيمتسوف وقتله! وكذلك بطل الشطرنج الدولي السابق الصهيوني، غاري كاسباروف، الذي اتهم بوتين شخصياً بقتل نيمتسوف، ووصفه أمس أمام الكونغرس الأميركي بأنه «ورم سرطاني يجب استئصاله».
لكن بوتين كان قد حذر في نهاية عام 2012 من أن المعارضين الروس ورعاتهم سيُقدمون على قتل أحد ما لتقديمه «قرباناً طقوسياً» واتهام الدولة بذلك لرفع مستوى شعبيتهم.
وربما، لأن نافالني لم يشأ السقوط ضحية على مذبح الديموقراطية، ومحاولة «استخدام التقنية البرتقالية في روسيا» بحسب تعبير وزير الخارجية سيرغي لافروف، فقد انتزع سوار المراقبة الإلكتروني، الذي ألبسته إياه الشرطة لإبقائه تحت الإقامة الجبرية، وذهب إلى مترو الأنفاق قبل أيام من مقتل زميله ومن التظاهرة المرتقبة على أطراف موسكو، وحاول توزيع بعض المناشير، بحيث لم يترك خياراً آخر للشرطة سوى اعتقاله 15 يوماً «بعيداً عن المخاطر»، كما يقول الكاتب الصحافي المختص بشؤون الاستخبارات، نيكولاي ستاريكوف، برغم أن نافالني كان أحد منظمي التظاهرة، التي كانت الشكوك تحيط بإمكان مشاركة عدد كبير من الناس فيها.
أما نيمتسوف، فكان هو أيضاً يشعر بالخطر المحدق به، لكنه لم يجد ما يفعله، سوى إعطاء مقابلة لصحيفة «سوبيسيدنيك» في العاشر من الشهر الماضي، واتهام بوتين بأنه يريد الإجهاز عليه.
ويقول الخبثاء إن «بوريس نيمتسوف، الذي لم يكن مفيداً على نحو حقيقي لزملائه الليبراليين في حياته، قدم إليهم خدمة لا تعوّض بجمعه بعد وفاته عشرات الألوف من الناس في وسط موسكو».