عاش رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، خلال إلقائه خطابه أمام الكونغرس أول من أمس، لحظات سعيدة حفلت بأكثر من 35 جولة تصفيق حار، عكست سرور المشرعين الأميركيين بـ«حزمه». مع ذلك، هو لم يبدُ مقنعاً بالنسبة إلى كثير من المراقبين ولعدد كبير من وسائل الإعلام الأميركية التي إن رأت أنه قدّم نقطة مهمة، إلا أنها لا تصب إلا في مصلحته السياسية المرتبطة بالانتخابات التشريعية الإسرائيلية، المزمع إجراؤها في 17 الشهر الحالي.


وُضع خطاب نتنياهو في خانة السلبي ــ العدائي أو السلبي ــ السلبي بالنسبة إلى موقع «ديلي بيست»، الذي اعتبر أنه كان «قوياً لأنه حدّد الطبيعة العدائية للشرق الأوسط تجاه إسرائيل، من خلال الحديث عن لعبة العروش (game of thrones) بين داعش وإيران التي تهدد وجودها»، فنتنياهو الذي لم يسرّب أي معلومات متعلّقة بالمفاوضات، كما حذرت الإدارة الأميركية، أتقن عمله في مهاجمة إيران على أنها «معتدٍ إقليمي على جيرانها وراعٍ دولي للإرهاب»، وبالتالي تمكّن من مهاجمة إدارة الرئيس الأميركي، باراك اوباما، التي تسعى إلى إتمام اتفاق مع هذه الدولة، الأمر الذي أسهم بشكل أو بآخر في تقوية ولاء المشرعين لإسرائيل وبالتالي تشكيل حصن صلب في وجه أوباما.
بناءً عليه، أصبحت مهمة هذا الأخير في تسويق اتفاق محتمل مع إيران «أمام كونغرس متشكك»، أصعب من ذي قبل، وفق ما رأى كل من جولي هيرشفيلد دايفيس ومايك شير في صحيفة «نيويورك تايمز»، التي هاجمت أيضاً في افتتاحيتها الخطاب ونتنياهو بشكل حاد. وبعدما شبهته بالـ«بطل الفاتح وسط المشرعين الذين تزاحموا لتملقه في طريقه إلى المنصة»، انتقلت إلى وصف ما جرى بـ«المسرح السياسي الاستغلالي» الذي لا تشهده واشنطن غالباً، ولتضيف أن الأسوأ من ذلك كله أنه «كان من الواضح أنه تمّ تعمّد تحدي سياسة أوباما الخارجية».
«لم يقدم خطاب نتنياهو أي شي جوهري جديد، وكان واضحاً أن هذا الأداء كان من أجل أن يبرهن عن صرامته في ما يتعلق بالقضايا الأمنية، قبل الانتخابات البرلمانية»، عقّبت الصحيفة الأميركية. وفي ما بدا تعمقاً في التماهي مع رد أوباما على الخطاب، أضافت «نيويورك تايمز» أن رئيس الحكومة الإسرائيلية «لم يقدّم أي نظرة جديدة عن إيران كما أنه لم يعطِ أي سبب من أجل رفض الاتفاق... الهادف إلى احتواء برنامج إيران النووي».
علاوة على ذلك، وفق الصحيفة نفسها فإن مطالبة نتنياهو لباراك أوباما بأن يدفع من أجل اتفاق أفضل، «فارغة»، إذ «يبدو من الواضح أنه لا يريد المفاوضات، وفشل في اقتراح أي مقاربة بديلة معقولة يمكن أن تمنع إيران من مواصلة جهودها النووية». وما أثار حفيظة الصحيفة هو أن نتنياهو ظهر «كأنه يفرض شروطاً جديدة، بإصراره على أن لا تُرفَع العقوبات الدولية في ظل استمرار إيران في تصرفها العدائي، بما في ذلك عدائيتها تجاه إسرائيل ودعمها حزب الله، الذي دعا لدمار إسرائيل».
كان لتوماس فريدمان رأي أيضاً في هذا الموضوع. بالنسبة إليه، بدت الأجواء المحيطة بالخطاب كـ«السيرك». في مقاله في «نيويورك تايمز»، قال إن نتنياهو «لم يقدم حجّة مقنعة»، وأشار في سياق آخر إلى أن رئيس الحكومة الإسرائيلية «حذر من أن الاتفاق المؤقت الذي توصل إليه أوباما مع إيران والذي أدى إلى تجميد وإيقاف جزء من برنامجها النووي... سيؤدي إلى انهيار العقوبات، ولكن لم يحدث أي من ذلك».
لم يغفل فريدمان الغمز من قناة الانتخابات الإسرائيلية، وإن اعتبر أن «رسالة بيبي (بنيامين نتنياهو) هي أنه ليس هناك أهم من ردع إيران»، لكنه تساءل واضعاً نفسه مكان نتنياهو: «إذا كانت هذه من أهم أولياتي، فهل كنت سأرتب دعوتي للحديث أمام الكونغرس بالاستفادة فقط من الجمهوريين ومن دون إعلام الرئيس الذي يدير المفاوضات؟ وهل كنت سأقوم بذلك قبل أسبوعين على الانتخابات الإسرائيلية؟ وإن كنت أريد أن يكون الأوروبيون إلى جانبي لفرض المزيد من العقوبات، ألم يكن من الأجدى أن أعلن عدم بناء المزيد من المستوطنات في الضفة الغربية؟».
بالنسبة إلى ديفيد إغناتيوس في «ذي واشنطن بوست»، فقد عمّق خطاب نتنياهو «الانقسام بينه وبين البيت الأبيض، حيث بدا التهليل الحاصل في قاعة مجلس النواب كأنه توبيخ بحق البيت الأبيض. كذلك خلق هذا الخطاب دينامية جديدة يمكن أن تضع الشرق الأوسط أقرب إلى حد السكين».
لم يقدم خطاب نتنياهو أي أفكار جديدة، بالنسبة إلى إغناتيوس أيضاً، ولكن ما قام به هو أنه «رفع الحاجز أمام أوباما، وعليه فإن أي اتفاق يمكن أن توقعه الإدارة الأميركية، يجب أن يأخذ في الاعتبار المخاوف التي أثارها نتنياهو». بحسبه، فإن «ما قام به رئيس الحكومة الإسرائيلية من خلال خطابه الذي كانت له آثاره في تعميق الخلافات السياسية، هو أنه أسهم في زيادة التركيز على ماهية الاتفاق الجيّد».