لندن ـ «الأخبار» | يؤكد مصدر دبلوماسي أوروبي واسع الاطلاع أن هناك توافقاً بين الدول الاوروبية والولايات المتحدة على التوصل الى اتفاق مع إيران بشأن الملف النووي. الدول الاوروبية متحمسة أكثر من واشنطن، لأسباب اقتصادية في الدرجة الأولى. منذ الصيف الماضي وطهران تستقبل وفوداً أوروبية، اقتصادية ودبلوماسية، في محاولة لاستكشاف أفق الاستثمار في هذا البلد.


العلاقات البريطانية الايرانية أخذت في التحسن منذ صيف 2013. وفي الأشهر الأخيرة، استقبلت طهران وفوداً بريطانية عديدة، تضم ممثلين عن الكثير من الشركات المتخصصة في استكشاف فرص الاستثمار. التكنولوجيا والاتصالات أبرز المجالات المرشحة.
ألمانيا التي تقيم علاقات اقتصادية جيدة مع إيران، تطمح الى مضاعفة استثماراتها في هذا البلد. ورغم الحظوة التي تتمتع بها ألمانيا في إيران على الصعيد الاقتصادي، خصوصاً الصناعي، بدأت برلين تتلمس تنافساً أوروبياً، خصوصاً من بريطانيا.
ورغم إبداء ايران استعدادها لفتح المجال أمام الاستثمار الاوروبي عموماً، إلا أن ألمانيا تبدو واثقة من استمرار موقعها التفضيلي، بل وتعزيزه، بسبب تميّز منتجاتها، وامتلاكها مفاتيح في الصناعات الايرانية، إذ يُعتقد أن الألمان هم الذين زوّدوا الايرانيين بالمعرفة الضرورية لصناعة السيارات. فالايرانيون يفضّلون الصناعة الألمانية عموماً ويعتبرونها النموذج الأوروبي الأفضل.
إضافة الى ذلك، تتمتع برلين بميزة أخرى، وهي العلاقة الاقتصادية المميزة مع روسيا. ومع الأخذ في الاعتبار مدى الترابط بين السوقين الايراني والروسي، ترى ألمانيا أن ذلك سينعكس إيجاباً على التبادل التجاري بين الدول الثلاث.
تقدمت لندن خطوات في مجال التنسيق مع طهران، ووصل الى الذروة في موضوع محاربة «داعش». رئيس الحكومة البريطانية كان صريحاً في لقائه مع الرئيس الايراني حسن روحاني على هامش الجمعية العامة في نيويورك في أيلول الماضي، إذ قال «نختلف معكم في بعض الأمور، لكن هناك أموراً مشتركة يمكن أن نتعاون أو ننسق بشأنها، مثل الحرب على داعش».
تدرك لندن مصلحة طهران في مكافحة التنظيمات المتطرفة، وتعلم مدى الجهود التي تبذلها إيران في سبيل ذلك، فضلاً عن التمويل الذي يبلغ مئات الملايين من الدولارات.
يرى الاوروبيون، خصوصاً البريطانيين، أنه يمكن التعويل على إيران والتنسيق معها في ملفات أخرى. ولذلك يتصرف الطرفان بحكمة، الى حدّ بعيد، بشأن الملفات الشائكة.
وبالعودة الى الملف النووي الايراني، يلفت المصدر الاوروبي الى أن السعودية وإسرائيل كثفتا جهودهما لعرقلة التوصل الى اتفاق دول الـ5+1 مع إيران، وصل الى حد تشكيل غرفة عمليات مشتركة.
ويوضح المصدر أن الملك سلمان بن عبد العزيز أبلغ لندن رفضه التام أي اتفاق من هذا النوع، بل ويرفض البحث في أسباب الاعتراض حتى، بعكس الملك الراحل عبدالله الذي أبلغ البريطانيين تحفظاته على الاتفاق المحتمل، فقدمت له الحكومة البريطانية تطمينات بشأن هذه المخاوف.
على كل حال، ورغم دوافع القرار السعودي، لا يبدو أن الرياض قادرة على عرقلة الاتفاق المرتقب، إذ لا يقيم الغرب عموماً أي اعتبار للسعودية التي لا تملك إلا ورقة النفط، وهي لا تتحكم فيها وحدها على أي حال.
أما رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي يتنطح لمهمة عرقلة الاتفاق، معتبراً رحلته الحالية الى واشنطن «مصيرية، وتمثل مهمة تاريخية»، فلا يبدو أن حظه أفضل من «حليفه» سلمان بن عبد العزيز. وهو يدرك أن خطابه اليوم في الكونغرس الأميركي ربما بات ورقته الأخيرة التي يلعبها، بعدما ضعف تأثيره ونفوذه كثيراً لدى أوروبا.
وكان العديد من الدول الاوروبية بدأ بتوجيه «رسائل غير ودية» الى إسرائيل منذ أوائل العام الماضي، أبرزها الاعتراف بدولة فلسطين، ومواقف ضد الاستيطان كمقاطعة البضائع ووقف التمويل في المستوطنات، وغيرها.
ويقول المصدر الاوروبي إن هذه الاجراءات الاوروبية ضد إسرائيل تعكس استياءً أوروبياً من سياسات تل أبيب، وتهدف الى وقف، أو التقليل من، ابتزازها للدول الاوروبية، لتمهيد الأجواء لاتفاق محتمل مع إيران.
وعلى الجانب الآخر من الأطلسي تبدو الصورة مشابهة مع بعض الفوارق. استياء أميركي متنام من سياسات إسرائيل، خصوصاً من القوى اليمينية بزعامة نتنياهو الذي يحاول لعب دور «الحامي التاريخي» لإسرائيل من «الخطر الوجودي» الذي تمثّله إيران.
لذلك، يبدو نتنياهو اليوم في الكونغرس كمن يصرخ في واد، فيما تطغى الحسابات الانتخابية على خطاباته المرتفعة النبرة التي تنطوي على مرارة دفينة سببها تضاؤل النفوذ الاسرائيلي (والسعودي) مع التغيرات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط خصوصاً، والعالم عموماً.