إسطنبول ـ الأخبار | لن يقتصر تأثير الإعلان الأخير لزعيم حزب «العمال الكردستاني»، عبدالله أوجلان، على المسارات الداخلية في تركيا، برغم تسمية الحوار بين الأكراد وأنقرة باسم «عملية السلام الداخلي». صدى دعوة أوجلان مناصريه إلى حضور مؤتمر «لنزع السلاح» في الربيع المقبل، سيتردّد وراء الحدود كما في داخلها، بدءاً من جبال قنديل شمال العراق، وصولاً إلى المناطق الكردية في الشمال السوري.


توقيتٌ ذات دلالات متعددة، اختاره الزعيم الكردي من سجنه في جزيرة إيمرلي، ليضع حدّاً لـ«أكبر مشكلة في تاريخ تركيا»، وفقاً للتوصيف الشهير. الدعوة التي انتظرتها أنقرة قرابة 30 عاماً من صراعٍ كلّف ما يفوق أربعين ألف قتيل، تثير تساؤلات عدّة تظلّلها ظروفٌ إقليمية متشابكة، من دون تجاهل اللحظة الداخلية أيضاً، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات البرلمانية التركية، التي سيتخذها الرئيس رجب طيب أردوغان جسراً للعبور إلى «تركيا جديدة»، قائمة على نظامٍ رئاسي، وهو التغيير الذي لن يحصل من دون أصوات الأكراد الانتخابية ومقاعدهم في البرلمان المقبل.

يحتاج أردوغان إلى مقاعد الأكراد في البرلمان لتعديل الدستور
لكن قبل الغوص في الوجه الداخلي لعملية السلام، لا بدّ من طرح تساؤلٍ عن «المقابل» لهذه الخطوة التاريخية، ضمن «صفقةٍ إقليمية» يكثر الحديث عنها بشأن مستقبل المناطق الكردية في الشمال السوري، في ضوء واقع الإدارة الذاتية الذي بات شبه مكرّسٍ هناك، خصوصاً بعد انتصار الوحدات الكردية في معركة عين العرب (كوباني)، ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، بمساندة «التحالف الدولي».
وفي «بدايةٍ لمرحلة جديدة»، بحسب تعبير رئيس الحكومة التركية أحمد داوود أوغلو، دعا عبدالله أوجلان مناصريه إلى حضور مؤتمر لنزع السلاح في الربيع المقبل، وذلك في بيانٍ تلاه نائب حزب «الشعوب الديموقراطي» (الذراع السياسية لحزب «العمال الكردستاني» المحظور)، سري ثريا أوندر، أول من أمس. وبعدما تعرّضت عملية السلام التي بدأت المفاوضات بشأنها قبل 13 عاماً لاهتزازت عدة كادت تجهضها، نقل أوندر عن أوجلان قوله: «مع اتجاهنا لإنهاء معارك استمرت على مدار 30 عاماً، فإن هدفنا الرئيسي هو التوصل إلى تسوية ديموقراطية. أدعو حزب العمال الكردستاني لحضور مؤتمر غير اعتيادي في الربيع من أجل أخذ هذا القرار الاستراتيجي والتاريخي بالتخلّي عن الكفاح المسلح». ونقل البيان أيضاً عن أوجلان تحديده عشرة إجراءات يريدها الأكراد لضمان السلام، من بينها وضع دستور جديد، وإرساء مفهوم جديد للمواطنة. وفي ما يعدّ تحديداً لشروط انعقاد المؤتمر المذكور، أكد رئيس «الشعوب الديموقراطي»، صلاح الدين دميرتاش، أن مؤتمر نزع السلاح سيعقد بعد التوصل إلى توافق على الإجراءات التي حدّدها بيان أوجلان. وتتوقع أوساط «الكردستاني» أن يعقد مؤتمره الاستثنائي بداية نيسان المقبل في جبال قنديل شمال العراق معقل المقاتلين الأكراد، تلبية لدعوة أوجلان. وتراهن معلومات صحافية على احتمالات إخلاء سبيل أوجلان قبل هذا الموعد، وفي حال عدم حصول ذلك، قد يخطب الزعيم الكردي في المؤتمر عبر شريط مصور مسجل، يدعو فيه مقاتلي الحزب إلى وقف الحرب والعودة إلى تركيا من أجل العمل السياسي السلمي.
كذلك، ترى مصادر كردية أن الأسابيع القليلة المقبلة ستحمل العديد من المفاجآت في العلاقة بين الحكومة و«العمال الكردستاني» الذي يطالب باعتراف دستوري رسمي بكامل حقوقه السياسية والقومية والثقافية، مقابل استمرار التنسيق والتعاون مع حكومة «العدالة والتنمية». ويراهن كثيرون على قبول أردوغان بمطالب الأكراد كافة مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية في السابع من حزيران المقبل، حيث سيكون الحزب الحاكم بحاجة لأصوات الأكراد للفوز بالأغلبية البرلمانية التي تخولّه تغيير الدستور وتحويل النظام من برلماني إلى رئاسي. وفي هذا السياق، توقعت استطلاعات رأي عدة، أن لا يكرر «العدالة والتنمية» انتصاراته السابقة في الانتخابات المقبلة، ورأى حزب «الشعوب الديموقراطي»، أنه قد يفوز بـ 70 - 80 مقعداً في الاستحقاق المقبل، وهو العدد الذي يحتاج إليه الحزب الحاكم، لاتخاذ الخطوات الدستورية التي يطمح إليها.
وفيما رحّب أردوغان بدعوة أوجلان، «بحذر»، قال إن «المتمردين الأكراد لم يلتزموا تعهدات سابقة». وبلغةٍ عدائية معهودة لم تبدّل منها دعوة أوجلان، أمل أردوغان أن «يكونوا على قدر أقوالهم ويتخذوا الخطوات اللازمة». واستدرك الرئيس الذي بدأ اتصالات غير رسمية مع الزعيم الكردي قبل سنتين، بالقول: «عليّ أن أؤكد أن أولئك الذين عليهم أن يضعوا أسلحتهم هم أعضاء هذه المنظمة الإرهابية، وإذا كانوا يأملون نزع سلاح قواتنا الأمنية، فإنهم يحلمون، لن يحدث ذلك».