موسكو | أعلن سيرغي تشيميزوف، المدير العام لشركة «روستيك» الحكومية الروسية القابضة لصناعة وتصدير الأسلحة يوم الاثنين الماضي أن شركته أبلغت إيران منذ شهرين استعدادها لتزويد الجمهورية الإسلامية بمنظومات الدفاع الجوي الصاروخية «أنتي-2500». وفي حال عدم موافقة طهران، فإن موسكو مستعدة لتزويدها بمنظومات «إس-400»، الأكثر تطوراً، وذلك في ضوء عجز موسكو عن تزويد طهران بخمس كتائب (40 بطارية صواريخ) من منظومات الدفاع الجوي الروسية «إس-300 بي إم أو-1»، تنفيذاً للعقد، الذي وقّعه البلدان عام 2007، والتي تصرّ طهران على تسلمها، وذلك لتوقف إنتاجها.


وقد بدأت الأزمة بين البلدين في عهد الرئيس الروسي آنذاك ديميتري مدفيديف الذي أصدر مرسوماً في أيلول من عام 2010، يحظر فيه تزويد إيران بهذه الصواريخ تلبية لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1929، الذي صدر ذلك العام، في مسعى من الرئيس «الليبرالي» الشاب لتحسين علاقات بلاده مع الغرب، على الرغم من أن هذه المنظومات هي «أسلحة دفاعية»، وأن العقد بشأنها وقّع قبل 3 سنوات من صدور القرار الأممي.
وقد سبقت إصدار هذا المرسوم زيارة لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في نهاية شباط من عام 2010 لموسكو، حيث التقى مدفيديف ورئيس الوزراء آنذاك فلاديمير بوتين، ووعد بتوظيف استثمارات غير عادية في روسيا وآفاق واعدة لنقل التكنولوجيا المتطورة إليها، بما في ذلك تزويد موسكو بـ50 طائرة إسرائيلية من دون طيار، في إطار اتفاقية التعاون العسكري التي وُقعت ذلك العام بين البلدين. كذلك وعد الأميركيون بالمشاركة، بينما لم تُستبعد مشاركة السعودية في استثمارات ضخمة في الاقتصاد الروسي وشراء أسلحة، بعد «التفاهم الشفهي» مع موسكو خلال زيارة الرئيس فلاديمير بوتين للرياض مطلع عام 2007 على شراء 150 دبابة من طراز «تي-90» ومروحيات «مي-17».
بيد أن العلاقات مع الغرب بقيت على حالها بين مدّ وجزر، والوعود الأميركية والإسرائيلية والسعودية ظلت حبراً على ورق. وإضافة إلى ذلك، خسرت موسكو 167 مليون دولار أعادتها من ثمن الصفقة الإيرانية، وقد تجد موسكو نفسها مضطرة إلى سداد غرامات إلى طهران تصل إلى أربعة مليارات دولار، بموجب دعوى قضائية رفعها الجانب الإيراني أمام محكمة التحكيم الدولية في جنيف ضد روسيا.
وقد مدحت واشنطن آنذاك مدفيديف، معلنةّ أنه «أظهر مزاياه القيادية»، لكن الامتناع عن تنفيذ العقد أساء إلى سمعة روسيا في المنطقة كمورد مضمون للأسلحة، في حين يقدر مركز تحليل تجارة الأسلحة في العالم «تسامتو» خسائر روسيا الإجمالية، التي تكبدتها جراء وقف التعاون التقني العسكري مع طهران، بمبلغ يتراوح بين 11 و13 مليار دولار.
وبعد عودة فلاديمير بوتين إلى الكرملين عام 2012 أكد الحاجة إلى تحسين العلاقات مع طهران، لكن التبادل التجاري استمر في الانخفاض، ليبلغ 1،59 مليار دولار في عام 2013، متراجعاً 31،5% عن العام الذي سبقه. حينئذ بدأ الحديث عن إمكانية تزويد طهران بمنظومات لا تقع تحت حظر مدفيديف، لكنها لا تقل فاعلية عن «إس-300»، كما أكد الخبراء الروس.
وإزاء رفض طهران القاطع شراء مجموعة أخرى من صواريخ «تور إم-1 إي» الروسية الموجودة لدى الجيش الإيراني، فقد تقدمت موسكو بعرض جديد يتمثل في منظومة الدفاع الجوي «أنتي-2500» («أنتيوس»: هو ابن بوسيدون إله البحر عند الإغريق).
وحين زار الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد موسكو في نهاية ولايته في تموز من عام 2013، ذكر مراقبون أن هذا الموضوع كان رئيساً في مباحثات بوتين ونجاد، وأوردت وسائل إعلام روسية تسريبات نفاها الجانب الإيراني عن التوصل إلى حل للمشكلة.
غير أنه خلال زيارة وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو الأخيرة لطهران في 20 كانون الثاني الماضي، عقدت اتفاقية موسعة حول التعاون العسكري والأمني. وصرحت مصادر قريبة من المفاوضات بأن شويغو اقترح تزويد إيران «إس-400» بشرط أن تسحب طهران دعواها من محكمة التحكيم.
لكن طهران تصرّ على الحصول على منظومات «إس-300» المتوسطة المدى (حتى 150 كلم)، والتي تدرب عليها المختصون الإيرانيون، لأنها تستطيع رصد 100 هدف وتدمير 12 هدفاً في آن واحد. وهي معدّة للدفاع عن المواقع الصناعية والإدارية الكبرى والقواعد ومراكز القيادة العسكرية من هجمات العدو الجوية والفضائية، ولذلك فهي مثالية لحماية المواقع النووية الإيرانية وجعل مهاجمتها باهظة الثمن.
ولا ترغب إيران في حيازة منظومات «أنتي-2500» لأنها خفيفة الحركة، ومعدة لمواكبة القوات البرية، وليست مضادة للطائرات بقدر ما هي مضادة للصواريخ التكتيكية والعملياتية والباليستية والمجنحة.
غير أن الخبراء الروس يؤكدون أن إنتاج «إس-300» قد توقف، وإن توريدها يمكن أن يتم فقط عن طريق انتزاعها من خدمة القوات المسلحة الروسية. كذلك يشككون في إمكان تصدير «إس-400»، لأن روسيا تريد تلبية متطلبات جيشها أولاً، فضلاً عن تنفيذ عقد مع الصين بتوريد 4 كتائب من هذه الصواريخ إليها بمبلغ 1،9 مليار دولار.
ويقول الخبير العسكري الروسي أندريه فرولوف إن استئناف تنفيذ هذا العقد يتوقف على الوضع السياسي الخارجي حول كل من البلدين، مشيراً إلى أن موسكو تستطيع تزويد طهران بالصواريخ «إذا ما قامت بمراجعة شاملة لاتفاقياتها مع المجتمع الدولي، وألغت الأمم المتحدة جزءاً من العقوبات المفروضة على إيران، وأزيلت العقبات الشكلية الأخيرة أمام تصدير الأسلحة إلى إيران».
لكن الأمور كلها كما يبدو مرتبطة أولاً وأخيراً بقرار سياسي من سيد الكرملن. وفي ظل المتغيرات الدولية الراهنة، وفي ضوء تدهور العلاقات مع الغرب وفرضه عقوبات اقتصادية على روسيا بسبب شرقي أوكرانيا، وإزاء الحنق الروسي الدفين على السعودية بسبب مشاركتها في انهيار أسعار النفط العالمية، وبما أن موسكو استخدمت الفيتو في مجلس الأمن الدولي مرتين خلال يومين لمنع إصدار قرار يضع اليمن تحت الفصل السابع، ما أجهض العقوبات الخليجية ضد الحوثيين، فإن الاحتمال كبير بإرضاء إيران وإزالة هذه العقبة أمام تعاون استراتيجي حقيقي بين البلدين، قبل زيارة بوتين لطهران، والتي ينتظرها الإيرانيون بفارغ الصبر هذا العام.