في الوقت الذي يستغل فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، كافة المناسبات من أجل ترديد معزوفته عن المحادثات النووية و«اقتراب إيران من امتلاك القدرة على تصنيع السلاح النووي»، برزت أمس مفاعيل تطوّر آخر ارتبط بهذه التصريحات ـ القديمة الجديدة ـ ناتجة من وثائق قامت صحيفة «ذا غارديان» البريطانية وقناة «الجزيرة»، بنشرها، وتفيد بأن موقف جهاز «الموساد» بشأن تطوّر المشروع النووي الإيراني، عام 2012، كان يتعارض مع الموقف المعلن لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الذي اعتبر أن إيران بحاجة فقط لعام للتزود بالسلاح النووي.


ولكن نشر هذه الوثائق لم يثن نتنياهو عن القول أمس إن المعلومات التي كانت تصل إليه، خلال الأيام الأخيرة، «تعزّز للأسف مخاوفنا بشأن الاتفاق المتبلور بين القوى العظمى وإيران» وأن «هذا الاتفاق، في حال توقيعه سيسمح لإيران بالتحوّل إلى دولة حافّة نووية، أي بموافقة القوى العظمى ستحصل إيران على رخصة لتطوير قنبلة نووية».
وخلال زيارة قام بها لقيادة المنطقة الجنوبية، أمس، أضاف رئيس الوزراء الإسرائيلي أن إيران «هي دولة تصرّح علناً بأنها تنوي تدمير إسرائيل»، مضيفاً أن «هذا اتفاق سيئ ويعرض مستقبلنا للخطر، وأنا سأسافر إلى واشنطن من أجل التحدث أمام الكونغرس لأنه يمكن أن يكون العقبة الأخيرة أمام هذا الاتفاق».
وارتباطاً بتصريحات نتنياهو المتتالية والمتعلّقة بـ«امتلاك إيران للسلاح النووي»، نشرت «ذا غارديان» و«الجزيرة» وثائق يصل عددها إلى مئات، هي عبارة عن مراسلات متبادلة بين أجهزة الاستخبارات في جنوب أفريقيا وجهاز «الموساد» الإسرائيلي ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي ايه) وجهاز الاستخبارات البريطاني «ام آي 6»، وتغطي هذه المراسلات الفترة الممتدة من 2006 إلى 2014.
وتبيّن من إحدى الوثائق أن تقديرات «الموساد»، عام 2012، كانت تعتبر أن إيران «لا تمتلك القدرات اللازمة» لصناعة قنبلة نووية. وفي الوثيقة التي هي رسالة بعث بها «الموساد» إلى نظيره الجنوب أفريقي، في 22 تشرين الثاني 2012، أي بعد نحو شهر على خطاب نتنياهو أمام الأمم المتحدة، الذي حذّر فيه العالم من أن إيران باتت على مقربة من امتلاك السلاح النووي، يوضح جهاز الاستخبارات الإسرائيلي أن إيران تمتلك 100 كلغ فقط من اليورانيوم المخصب بنسبة 20 في المئة، وأنها لا تمتلك مصنعاً لإنتاج الوقود النووي لتحويل البلوتونيوم الذي أنتجته إلى سلاح نووي. ويشرح الموساد في مراسلته أن النشاط النووي الإيراني في منشأتي كشان وقم تقلّص بسبب عدم وجود أجهزة طرد مركزي. وشددت المراسلة على أن إيران «لا تبدو جاهزة لتخصيب اليورانيوم بنسبة كافية لصنع قنابل نووية». واعتبرت «ذا غارديان» أن هذه الواقعة تجسّد «الهوة القائمة بين خطب السياسيين الإسرائيليين وتحليلات أجهزة الاستخبارات في إسرائيل».
وبالرغم ممّا ورد في الوثيقة المنشورة، فقد علّقت مصادر إسرائيلية، أمس، عليها بالقول إن ما ورد في مراسلة «الموساد» لا يتعارض مع تصريحات نتنياهو بشأن التهديد النووي الإيراني.
وربطت وسائل إعلام إسرائيلية بين تسريب الوثائق وبين خطاب نتنياهو المرتقب أمام الكونغرس، أوائل آذار المقبل، فيما خفّف معلّقون من أهمية هذه الوثائق ورأوا أنها ليست أكثر من «طبخة بائتة». وكتب محلّل الشؤون الاستخبارية في صحيفة «معاريف»، يوسي ميلمان، أنه خلافاً للإشارات التي تُبث، فإن قناة «الجزيرة» لم تحصل على وثيقة أصلية من «الموساد»، مضيفاً أن ما نشرته، أمس، مع «ذا غارديان» هو وثيقة لاستخبارات جنوب أفريقيا «إس.إس.إي» التي استندت، كما يبدو، إلى توجيه رجال «الموساد» في أحد اللقاءات بين جهازي الاستخبارات.
ورأى ميلمان أنه «إذا أردنا أن نكون قاسين في الكلام، فمن الممكن القول إن رجال الموساد باعوا طبخة قديمة لنظرائهم في جنوب أفريقيا. من دون يقين في معطيات ولا في تقييمات الوثيقة، الأمر الذي من شأنه دعم الفرضية التي تظهر في عناوين الجزيرة والغارديان، والتي وفقها يمكن الإشارة إلى الانقسام بين الموساد ورئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، بشأن البرنامج النووي الإيراني. باختصار، تمخّض الجبل فولد فأراً».
في هذه الأثناء، صرّح وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، أمس، في كلمة افتتاحية لجلسة في الكونغرس لبحث ميزانية وزارة الخارجية الأميركية، بأنه يتوقع أن يعرف قريباً ما إذا كانت إيران مستعدة لوضع خطة مقبولة يمكن التحقق منها لإقناع القوى الكبرى، بأنها لا تسعى إلى تصنيع سلاح نووي.
(الأخبار، أ ف ب)