لا تحظى الدماء التي تسفك في باكستان على يد الجماعات التكفيرية، بما يذكر من ضجيج أو اهتمام، على الرغم من ذلك الحجم المهول لأرقام الضحايا ووحشية الهجمات الإرهابية المتصاعدة في الأسابيع الأخيرة.

لا ينتمي من يقتل على يد الجماعات الإرهابية في هذا البلد إلى العرق الأسمى، كما هم عليه ضحايا «شارلي إيبدو»، ولا إلى المنطقة العربية، المتخمة بثرثرات أقلام وفضائيات تتقن التغاضي عن جذر الداء ومنبعه الأصلي، المتمثل في الفكر الديني المتشدد ومناهجه ومدارسه التي خرّجت وما زالت تخرّج، أجيال المتشددين وكوادر جماعات السلفية الجهادية منذ تأسيس القاعدة في أفغانستان.

ليس ثمة فارق في سياسة باكستان لجهة الصمت على أنشطة الدعاية للفكر الوهابي النشطة هناك بفضل برامج تمولها السعودية، تحت وطأة المصالح التي تجمع البلدين منذ عقود، إلا أن جولة المواجهة الجديدة مع الإرهاب لاسلام آباد، التي أعلنتها الحكومة في أعقاب الهجوم على مدرسة بيشاور في كانون الأول الماضي، دفعت أحد الوزراء في الحكومة الباكستانية، وفي سابقة لافتة، إلى تصويب الاتهام على الحليفة السعودية، وتحميلها المسؤولية عن الإرهاب من خلال تمويلها المدارس الوهابية المنتشرة في باكستان.

اتهامات للرياض بالسعي إلى نشر الفكر الوهابي في البلاد عبر دعم المؤسسات التعليمية

يتحدث وزير التنسيق الاقليمي الفدرالي في باكستان، رياض حسين بيرزادة، بلغة غير مواربة، بدت قفزة جريئة على العلاقات الاستثنائية والتشبيك الأمني والاقتصادي اللذين يجمعان إسلام آباد بالرياض. يتهم بيرزادة السعودية بالمسؤولية عن الإرهاب في بلاده، وينبه إلى الأموال السعودية التي تتدفق على المعاهد والمدارس الدينية المنتشرة في البلاد، محذراً من أن الرياض تسعى من خلال منحها المساعدات والقروض لهذه المؤسسات إلى نشر الفكر الوهابي في البلاد.
ورأى بيرزادة أن نشاط السعودية على هذا الصعيد يزعزع الاستقرار في باكستان ويعد واحداً من أهم أسباب الإرهاب في البلاد، وذلك عبر تعزيز «الإيديولوجية الوهابية» بين طلاب المدارس والمعاهد الدينية.
تصريحات بيرزادة وإن جوبهت بحملة في الصحافة الباكستانية، وعلى لسان بعض الساسة في إسلام آباد، المؤيدين للروابط المتينة مع الرياض، إلا أن دق بيرزادة لناقوس الخطر لم يكن يتيماً، حيث أن مصدراً مسؤولاً في وزارة الداخلية الباكستانية، كشف عن اتصالات كانت قد أجرتها إسلام آباد مع السعودية والبحرين، أعربت فيها عن مخاوف من تدفق الأموال إلى المتطرفين من شبكات في بلدان الخليج، عقب هجوم مسلحي «طالبان باكستان» على المدرسة التي يديرها الجيش في بيشاور.
السعودية من جهتها سارعت إلى الرد على تصريحات الوزير الباكستاني، في بيان أصدرته سفارتها في باكستان، نفت فيه ما ورد على لسان الوزير، وأشارت إلى أن جميع المساعدات المالية من السعودية تمر على نحو الزامي عبر وزارة الخارجية الباكستانية، مؤكدةً التنسيق الكبير بين الحكومة السعودية ودولة باكستان في قضية مكافحة الإرهاب.
وكانت باكستان قد شهدت في الأيام السابقة هجمات إرهابية دامية طاولت أكثر من ولاية في البلاد. الهجوم الانتحاري أمام المقر العام للشرطة في مدينة لاهور شرق باكستان الثلاثاء الماضي، الذي تبنته حركة «طالبان»، أدى إلى مقتل خمسة أشخاص وجرح 17 آخرين، وسبقه يوم الجمعة الماضي اقتحام مسلحين تابعين للحركة مسجداً في بيشاور، وقتل 21 من المصلين داخل المسجد، بعد أسبوعين على هجوم انتحاري استهدف مسجداً في شيكاربو في ولاية السند، وأودى بحياة أكثر من 60 شخصاً.
متابعون للشأن الباكستاني يؤكدون أن هذه المدارس الدينية التي تعمل على نشر الفكر المتطرف والمنتشرة في أنحاء باكستان، تمثل العامل الأبرز في تعقيد أزمة الإرهاب في هذا البلد، حيث جعلت للمتشددين بيئة حاضنة وأرضية صلبة.
الدور السعودي هنا كان واضحاً، ومنذ عهد ضياء الحق، جعلت الرياض نشاطها في هذا المضمار متوازياً مع برامج التعاون الاقتصادي والأمني بين البلدين، وهو نشاط مستمر إلى الآن من خلال تمويل المدارس الدينية وبناء مساجد ومراكز للتبليغ وتعليم اللغة العربية، نجحت جميعها في بث الأفكار المتطرفة بين شرائح المجتمع الباكستاني، في وقت تبدو فيه الحكومة الباكستانية عاجزة عن محاصرة ظاهرة الإرهاب، على الرغم مما تكبدته من تكاليف إلى الآن، التي تقارب الـ 80 مليار دولار بحسب أرقام الجمعية الوطنية في باكستان، فيما تشير إحصائيات أخرى إلى بلوغ ضحايا الارهاب نحو 7 آلاف قتيل منذ عام 2007، من جراء هجمات «طالبان باكستان» التي أعلن عدد من قادتها مبايعتهم تنظيم «داعش» قبل مدة. وقد بلغ عدد المعتقلين على يد السلطات كمشتبه بهم نحو 10600 شخص منذ بدء الحملة على الإرهاب، التي أعلنتها حكومة نواز شريف في أعقاب الهجوم على مدرسة بيشاور.
تنبّه بعض المسؤولين الباكستانيين إلى ضعف استراتيجية حكومة إسلام آباد لمكافحة الإرهاب، مع إغفال منابع الفكر المتشدد للمدارس الوهابية الممولة سعودياً، لا يبدوان بحسب مراقبين، مبشرين بإحداث اختراق جدي في طبيعة العلاقات مع السعودية، التي تحكمها جملة مصالح بالغة التشبيك، تعززت اقتصادياً وعسكرياً مع زيارة الملك السعودي، سلمان إبان توليه ولاية العهد لباكستان قبل عام، شأن إسلام آباد في ذلك شأن واشنطن وباقي العواصم الغربية، حين تتقدم مصالحها مع المملكة النفطية على أي اعتبار آخر.