ألحق الانفصاليون، أمس، نكسة عسكرية جديدة بسلطات كييف وأرغموا الجيش الأوكراني على الانسحاب من مدينة ديبالتسيفي الاستراتيجية شرق البلاد، بعد عشرة أيام من المعارك الطاحنة.

ورغم إدانات الغربيين للانفصاليين واتهامهم بنسف عملية السلام عبر انتهاك وقف إطلاق النار، إلا أن الأمر المهم بالنسبة إليهم هو أنه عبر سيطرتهم على ديبالتسيفي يكونون قد أنجزوا التقدم العسكري الذي بدأ خلال الصيف، خصوصاً أن المنطقة الخاضعة لسيطرة الانفصاليين أصبحت تمتدّ بين معقليهم لوغانسك ودونيتسك، والسؤال المطروح حالياً هو هل سيتوقفون عند هذا الحد أم سيواصلون التقدم ميدانياً غرباً.

وأعلن الرئيس الأوكراني بترو بوروشنكو، أمس، قبيل توجهه إلى الشرق الانفصالي، انسحاب قواته من ديبالتسيفي.
وقال بوروشنكو متوجهاً إلى الأمة، في خطاب ألقاه في مطار كييف: «هذا الصباح أنجزت القوات المسلّحة الأوكرانية والحرس الوطني عملية الإخلاء المخططة والمنظمة لوحداتنا العسكرية من ديبالتسيفي»، مضيفاً أنه «حتى الآن، خرجت 80 في المئة من قواتنا ولا نزال ننتظر موكبين». وأوضح أن هناك «30 جريحاً فقط من أصل ألفي جندي» أوكراني رغم القصف المدفعي الكثيف.
من جانب آخر، أصيب رئيس جمهورية دونيتسك الانفصالية، الكسندر زاخارتشنكو، بجروح خلال معارك ديبالتسيفي.
وقال من المستشفى: «ما زلت على قيد الحياة، لم يقتل أحد من صفوفنا».
وطلبت السلطات الأوكرانية من الغربيين توجيه تحذير «شديد» اللهجة إلى موسكو، بعد دخول الانفصاليين إلى ديبالتسيفي. وردّ الاتحاد الأوروبي، أمس، بأن أدان «الانتهاك الواضح لوقف إطلاق النار». وقالت وزيرة خارجية الاتحاد، فيديريكا موغيريني، في بيان إن «أفعال الانفصاليين المدعومين من روسيا في ديبالتسيفي تشكل انتهاكاً واضحاً لوقف إطلاق النار».
الأمين العام لحلف «شمال الأطلسي»، ينس ستولتنبرغ، دعا من جهته روسيا، إلى سحب كل قواتها من شرق أوكرانيا ووقف دعمها الانفصاليين. وقال، على هامش اجتماع غير رسمي لوزراء الدفاع الأوروبيين في ريغا: «أطلب من روسيا سحب كل قواتها من شرق أوكرانيا ووقف كل دعم للانفصاليين واحترام اتفاق مينسك» حول وقف إطلاق النار.
في سياق متصل، أعلنت الحكومة الفرنسية أن مكالمة هاتفية ستجري بين الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل والرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأوكراني بيترو بوروشينكو، فيما اعتبرت باريس أن اتفاق مينسك الذي تضمن وقفاً لإطلاق النار «لم ينته»، مؤكدة أنه ستُبذل كل الجهود لإحيائه.
كذلك، أدانت الحكومة الألمانية سيطرة الانفصاليين على ديبالتسيفي، معتبرة أن هذا الأمر «يسيء جداً إلى آمال السلام».
وقال المتحدث باسم الحكومة الألمانية، ستيفن سيبرت، إن «الحكومة الألمانية تدين بشدة العملية العسكرية الانفصالية في ديبالتسيفي»، مضيفاً أن «ذلك يشكل انتهاكاً واضحاً لوقف إطلاق النار المعلن منذ الأحد، ويسيء أيضاً إلى آمال إحلال السلام في شرق أوكرانيا». لكنّه أكد مع ذلك أن الوقت ما زال مبكراً للقول إن الاتفاق فشل.
وإذ أشار إلى أن أوروبا ما زالت مستعدة لفرض عقوبات جديدة على روسيا، إلا أنه أوضح أن ذلك سيتوقف على مزيد من التطورات في الأرض في أوكرانيا.
أما المستشارة الألمانية انغيلا ميركل، فقد أكدت أنها تريد العمل مع روسيا لاستعادة السلام في أوروبا، لكنها أضافت أنها لا يمكن أن تتجاهل انتهاكات موسكو للقانون الدولي في الأزمة الأوكرانية. وفي كلمة أثناء اجتماع لمؤيديها المحافظين في بلدة دمين في شرق ألمانيا، قالت: «نريد تشكيل نظام السلام الأوروبي مع روسيا وليس ضد روسيا».
وفي السياق ذاته، قال وزير الخارجية الألماني، فرانك فولتر شتاينماير، للصحافيين في برلين: «ما زلنا ملتزمين السعي من أجل عدم السماح بتصعيد الموقف وبالتزام جميع الأطراف تنفيذ اتفاق مينسك». وأضاف أنه «إلى جانب الخطوات المختلفة لضمان تنفيذ وقف إطلاق النار، نحتاج كذلك إلى التفكير في الرعاية الإنسانية للسكان، خصوصاً الآن في ظل الوضع الراهن ونحن نحاول تنفيذ اتفاق مينسك».
إلا أن نبرة وزير الخارجية البريطاني، ديفيد كاميرون، كانت الأكثر حدّة في الفلك الأوروبي، فقد طالب شركاءه الأوروبيين بتبني موقف صارم تجاه روسيا في النزاع الأوكراني. وأوضح أن على أوروبا أن تبيّن لروسيا، بشكل واضح، أن عليها أن تخشى التعرض على مدى سنوات عديدة لعقوبات اقتصادية ومالية إذا لم تتوقف عن زعزعة الاستقرار في أوكرانيا.
وكان مجلس الأمن دعا، في بيان صدر بإجماع أعضائه الثلاثاء، أطراف النزاع في شرق أوكرانيا إلى «وقف فوري للأعمال القتالية»، مطالباً أيضاً باحترام تام للاتفاقات التي وقعت في مينسك.
كذلك، أعلن الاتحاد الأوروبي وكندا، هذا الأسبوع، فرض عقوبات إضافية على موسكو، فردّ المتحدث باسم الخارجية الروسية الكسندر لوكاشيفيتش، على ذلك أمس، بأن قال إن «حزمة العقوبات الجديدة التي فرضتها كندا ضد روسيا، هي خطوة معادية من شأنها أن تبعد آفاق تطبيع العلاقات بين البلدين». وأوضح أن «هذه الخطوة لا تساهم في تطبيق اتفاقية مينسك لتسوية الأزمة في أوكرانيا، وتتنافى مع روح قرار مجلس الأمن الداعم لهذا الاتفاق»، متهماً كندا بـ«مغازلة القوى التي تراهن على مواصلة الحرب في أوكرانيا». وحذر من أن بلاده «ستتخذ إجراءات محددة رداً عليها».
(الأخبار، رويترز، أ ف ب، الأناضول)