شغلت استقالة حقان فيدان من رئاسة الاستخبارات التركية، ثم ترشحه للانتخابات البرلمانية المزمع إجراؤها في 7 حزيران المقبل، الأوساط السياسية التركية أخيراً، لأسباب متعلقة بأهمية المهمات التي تولاها فيدان على صعيد السياستين الداخلية والخارجية. هو المعروف بأنه «الصندوق الأسود» للدولة، و»كاتم لأسرار» الرئيس رجب طيب أردوغان، إضافة إلى كونه العدو الأشرس لحركة الداعية الإسلامي، فتح الله غولن، «الخدمة».

وزادت تصريحات أردوغان للصحافة التركية من الغموض حول الدور الذي سيؤديه فيدان في المرحلة المقبلة، بعدما أكد أنه لم يكن يحبذ هذه الاستقالة، قائلاً إنه طلب من فيدان البقاء في منصبه، لكن الأخير أصرّ على الاستقالة. هذا التصريح حمل البعض إلى اعتبار أن خلافاً ما، جرى بين رئيس الحكومة أحمد داوود أوغلو وفيدان من جهة، وبين أردوغان من جهة أخرى.

وربطاً بتصريحات أردوغان، طُرحت إمكانية أن يحل فيدان مكان داوود أوغلو في رئاسة الوزراء، إذا ما حصل «العدالة والتنمية» على غالبية المقاعد البرلمانية، لكونه الأقرب إلى أردوغان، لكن فيدان قريب أيضاً من داوود أوغلو، الذي وصفه بأنه «الرجل القادر على القيام بأي مهمة في الدولة التركية». لذلك يمكن القول إن الثالوث الأقوى في تركيا، أردوغان ـ داوود أوغلو ـ فيدان، سيجتمع في ظل طموح أردوغان إلى الحصول على ما يقارب 70% من أصل 550 مقعدا نيابياً، لصياغة دستور جديد لتركيا الذي سيحوّل النظام إلى رئاسي.
في هذا الوقت، حجبت استقالة فيدان أهمية الاتفاق الذي حصل أخيراً في جزيرة إيمرلي، حيث سجن زعيم حزب «العمال الكردستاني»، عبدالله أوجلان، بين الأخير والحكومة التركية. الاتفاق الذي حرصت أنقرة على إنجاحه، جاء بعد هجوم تنظيم «الدولة الاسلامية» (داعش) على مدينة عين العرب (كوباني) في سوريا، وتغيُّر مآلات عملية السلام التي انطلقت عام 2012 بين «الكردستاني» وانقرة. نص الاتفاق الذي جرى في 7 من الشهر الجاري على وقف اطلاق النار، غير أنه لم يحقق الأمن في المناطق الشرقية من تركيا، حيث خرقه الطرفان أكثر من مرة وفي مناسبات عدة. كذلك فإن الحكومة التركية رأت أن «العمال الكردستاني»، استغل وقف إطلاق النار وأحداث كوباني لإنشاء نوع من «دولة موازية» في البلديات التي يسيطرعليها حزب «الشعوب الديمقراطي»، شرقي البلاد، وفيما كانت الحكومة تراهن على قرار يأتي من أوجلان، بسحب السلاح إلى جبال قنديل، صدرت عن المجتمعين في إيمرلي، من ممثلي الحكومة والجيش والاستخبارات والداخلية من جهة، و»الشعوب الديموقراطي» إلى جانب أحزاب كردية أخرى من جهة أخرى، ورقة عمل جديدة لتعزيز وقف إطلاق النار كنوع من «حلّ وسط بين الطرفين يجعل وقف إطلاق النار أمراً رسمياً مرتبطاً بالمفاوضات، وإنهاء السلطة البديلة التي يقيمها العمال الكردستاني، ووقف العمليات التي تنفذها الميليشيا التابعة له»، على أن تفي الحكومة بوعود قطعتها سابقاً لأوجلان، ومنها قيام الحكومة التركية بالتصويت على الميثاق الاجتماعي الأوروبي، الذي يمنح بعض الاستقلال الإداري والمالي للإدارات المحلية، والإفراج عن بعض سجناء «الكردستاني»، وتحويل وضع أوجلان إلى نوع من الإقامة الجبرية، عبر إنشاء سكرتارية خاصة به في السجن. 
على أن يُطلع حزب «الشعوب الديموقراطي» القيادة العسكرية في جبال قنديل على هذا الاتفاق، الذي يمكنه أن يمثل بياناً مشتركاً لأول مرة حول خارطة طريق محتملة للسلام في غضون الأيام القليلة المقبلة.
حصل حزب «الشعوب الديمقراطي» في هذا اللقاء على تأييد عبد الله أوجلان لقراره خوض الانتخابات البرلمانية بلائحة حزبية بدلاً من الدخول بلائحة من المستقلين. وأكد أوجلان أنه يؤمن بأن الحزب سيتمكن حتى من تجاوز «عتبة العشرة في المئة». هذا ما دحضته بعض مراكز الاحصاء التركية، التي رأت أن «الشعوب الديمقراطي» سيحصل على نسبة 9%، ما يعني أنه لن يتجاوز حاجز 10% وسيظل خارج البرلمان.
بناء على هذا المعطى اتهم حزبا «الشعب الجمهوري» و»الحركة القومية»، «الشعوب الديمقراطي» بأنه يرمي متعمداً إلى الفشل في الانتخابات البرلمانية ليتمكن «العدالة والتنمية» من الحصول على أغلبية تمكّنه من تغيير الدستور، لأن هناك اتفاقاً بين أردوغان وفيدان وأوجلان على تغيير النظام من البرلماني إلى الرئاسي في مقابل تنازلات لمصلحة الحركة السياسية الكردية.