تدحرج الخلاف بين الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو إلى التخاطب عبر وسائل الاعلام، في خطوة تعكس حدة التباين ومحاولة كل منهما إحراج الآخر وتبرير موقفه أمام رأيه العام. وعلى الرغم من أنها ليست المرة الأولى التي يخرج الخلاف بينهما إلى التخاطب العلني، لكنها هذه المرة، تنطوي على خصوصية تتصل بالمحطة المفصلية التي تمر بها المفاوضات النووية مع إيران، والظروف الداخلية لكل منهما.

وأكد أوباما على موقفه بعدم استقبال نتنياهو خلال زيارة الأخير للولايات المتحدة المفترض أن تتم مطلع شهر آذار المقبل، مبرراً ذلك بكونها تأتي عشية الانتخابات الإسرائيلية، وهي خطوة ما كانت تقدم عليها الولايات المتحدة حتى لو كان الزائر المستشارة الألمانية انجيلا ميركل. وأضاف «لا حاجة إلى تعكير أجواء المفاوضات، بالذات في مراحلها النهائية».
في المقابل، بدّد نتنياهو كل التقديرات والرهانات حول إمكانية تراجعه عن هذه الخطوة، مبرراً ذلك بعناوين تتصل بالاستحقاق النووي الإيراني الذي يهدد أمن إسرائيل ووجودها، بحسب تعبيره.

ويعكس إصرار كل من الرجلين على موقفيهما حجم الهوة التي تفصل بين رؤية كل منهما وخياراته، وتحديداً إزاء الموقف من البرنامج النووي الإيراني. وعلى الرغم من فترات الهدوء التي سبقت هذه المرحلة، واكبت الخلافات كل مراحل المفاوضات مع إيران، ومرت بمراحل ومنعطفات قاسية، من أصل المفاوضات والأسس التي تمت عليها، مروراً بالموقف من الاتفاق الأولي في جنيف، وصولاً إلى تمديده قبل أشهر، وإلى المحطة المفصلية الحالية التي فجرت الخلافات الكامنة بينهما.
من جهة أخرى، يكشف إصرار نتنياهو أيضاً، على موقفه بإلقاء الكلمة أمام الكونغرس رغم كل ما أحاط به من انتقادات في تل أبيب وواشنطن، عن حجم الخيبة التي تشعر بها إسرائيل، وعلى رأسها نتنياهو، جراء فشل الاستراتيجية الإسرائيلية في مواجهة إيران التي لم يعد السؤال هل ستكون إيران دولة حافة نووية، بل بات السؤال «دولة حافة» مع عقوبات أو بدون عقوبات.
وعلى الرغم من أن نتنياهو يؤكد في تبرير مواقفه على أن من واجبه كرئيس حكومة أن يبذل جهده لمنع التوصل إلى «اتفاق خطير مع إيران»، على حدّ وصفه، لكن الواقع يؤكد أن أقصى ما يحاول نتنياهو تحقيقه هو التخفيف من الأضرار التي وقعت، سواء تم التوصل إلى اتفاق نهائي بين إيران والسداسية الدولية أو لا. وهو ما عزز بالنسبة إلى خصومه أن الهدف الحقيقي صناديق الاقتراع في الانتخابات الإسرائيلية.
ليست المرة الأولى التي يتورط فيها نتنياهو في سجالات لها بعدها الداخلي الأميركي أيضاً، وعلى الموقف من إيران. ففي الانتخابات الرئاسية الأميركية الماضية، حاول نتنياهو أن يستغل الظرف الانتخابي الأميركي كي يحشر أوباما عبر مطالبته في ذروة الحملة الانتخابية برسم خط أحمر واضح ومحدد لإيران، لكن الأخير رفض ذلك مطلقاً. ووصل الخلاف بينهما إلى حدّ ردّ أحدهما على الآخر من خلال وسائل الاعلام.
لكن هذه المرة يأتي تدخل نتنياهو عشية محطة مفصلية تمر بها المفاوضات بين إيران والسداسية الدولية وصولاً إلى اقتناع إسرائيلي بأن أوباما يتجه نحو اتفاق يقرّ ويشرعن تحول إيران إلى دولة حافة نووية، لكن مع سياق انتخابي داخلي في الساحة الإسرائيلية. وهو عزز انتقادات خصومه وجعل العامل الأميركي أكثر حضوراً في الانتخابات الإسرائيلية.
مع ذلك، ينبغي عدم الوقوع في فخ الثنائية الحادة، التي تحاول وضع الخلافات بين الجانبين ضمن إطارين كما لو أن لا ثالث لهما. الأول يرى أن الخلافات جوهرية ويمكن الرهان عليها، كما لو أن الولايات المتحدة باتت على وشك التضحية بإسرائيل.
في المقابل يرى آخرون من موقع الرد على هذه الفرضية، أن ما يجري ليس سوى مسرحية تم الاتفاق على مدخلها ومضمونها ومخارجها.
لكن الواقع أنه بالرغم من الخلافات الجادة والحقيقية، بين الطرفين، ينبغي ألا ننسى أننا نتحدث عن دولة عظمى تتسع وتتشعب مصالحها على المستويين الإقليمي والدولي، في مقابل أخرى إقليمية، تابعة وتدور في فلك الأولى. أضف إلى أن خصوصية العلاقات بين البلدين تجعل الطرفين يخوضان الخلافات بأدوات ومسارات، من دون المس بالثوابت التي تحكم العلاقة بينهما. وهكذا نكون أمام خلافات من دون أن تترك أثراً على الدعم الأميركي السياسي والعملاني، وأمام حجم من الدعم الأميركي على كافة المستويات السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية، كما لو أنه لا خلافات بينهما.
في غضون ذلك، بدأ عدد من أعضاء الكونغرس الأميركي من الحزب الديموقراطي بتوزيع عريضة للتوقيع تطالب رئيس مجلس النواب جون باينر بإلغاء خطاب بنيامين نتنياهو في الكونعرس في الثالث من آذار القريب.