استوكهولم | بعدما كان تاريخ أوروبا الحافل بالحروب والمآسي مكاناً يلتجئ إليه سكانها في لحظات الانفعال والألم، لينبذوا غضبهم ويتعالوا عنه، وبعدما كان تاريخها الدامي مصدر إصرار على الانفتاح والعلمانية والمدنية، بات حاضرها مهدداً بنزاعات داخلية محملة بالعنف.

لا نتحدث هنا فقط عن الأحداث الأخيرة التي شهدتها باريس، بل عن مجمل أوروبا في الآونة الأخيرة. أوروبا تواجه أخطر أنواع التطرف المتمثل في وجهين. أحدهما التطرف الإسلامي المتشدد والآخر التطرف اليميني الأوروبي المتشدد أيضاً.

ففي السويد مثلاً، بلد الحريات وحقوق الإنسان، صعد خطاب اليمين المتطرف ممثلاً بحزب «ديموقراطيو السويد» ليدخل البرلمان الأوروبي لأول مرة خلال الانتخابات الأوروبية العام الماضي، وليحتل المركز الرابع في انتخابات السويد البرلمانية، التي جرت أيضاً العام الماضي بنسبة تصويت تعدت 12،86في المئة. صعود الحزب اليميني فجأة، واقتحامه العمل السياسي في البلاد، مثّلا صدمة كبيرة. الحزب الذي تأسس عام 1988 لم يحظَ بأي شعبية في حينها، وبقي مهمشاً ومنبوذاً من المواطنين حتى عام 2010 حين تمكن من دخول البرلمان لأول مرة منذ تأسيسه.
يدرك من واكب الانتخابات السويدية البرلمانية التي جرت في أيلول 2014، كيف جرى استغلال سيطرة «داعش» على الموصل العراقية، وما رافقها من أحداث في العراق، من قبل الحزب المتطرف الذي استغل فزاعة «داعش» وما يقوم به من أعمال متطرفة ضد المسيحيين والإيزيديين في خطابه التعبوي، الأمر الذي زاد من شعبية الحزب بين صفوف القوميين السويديين.
لكن الصدمة في نتائج التصويت أن نسبة من المناطق المزدحمة بمسيحيي سوريا ولبنان والعراق صوتت أيضاً للحزب اليميني، علماً بأن الحزب يرفض في مبادئه وأدبياته كل الأجانب والإثنيات الأخرى ويدعو إلى طرد ما يسميهم دخلاء على البلاد.
للسويديون أسبابهم في اللجوء إلى «ديموقراطيو السويد»، لعل أبرزها أخطاء سياسات البلاد المنفتحة والمتسامحة حد إلغاء عادات وتقاليد البلد وزرع ثقافات أخرى كلها باسم التسامح الإنساني. منها مثلاً، المطالبة بغض النظر عن تعلم النشيد السويدي في المدارس، وتغيير العادات المتبعة في المدارس مثل إلغاء حفل نهاية العام في الكنيسة، بعدما كان تقليدا متّبعا منذ مئات السنين. وهذا كله يأتي حرصا على الطلاب ذوي الأصول الأجنبية في البلاد.
لا يثير الجانب الديني اهتمام السويدي بقدر ما يستفزه إلغاء هويته وثقافته. فبعض المناطق السويدية تحولت بأكملها إلى مناطق ذات هويات جديدة، مثل الكردية أو الأشورية/السريانية أو الصومالية أو حتى الأفغانية. ما يستفز السويدي أيضاً ويجبره على اختيار اليمين المتطرف هو فتح أبواب الهجرة واللجوء الإنساني كلما قامت حرب في مكان ما، أضف إلى ذلك أن يرى اللاجئ يتقاضى معونة قد تكون أكبر من رواتب المتقاعدين. وما يستفزه أيضاً هو هجرة الأيدي العاملة الرخيصة من أوروبا الشرقية إلى بلاده، لتحل محل أيادي أهل البلد، ليأتي حزب متطرف ويستغل فشل الحكومات السويدية السابقة في خلق الاندماج بين مواطنيها، ويستغل أيضا جرائم «داعش» والإرهاب لتبرير عنصريته والدعوة إليها. فمثلاً، توبياس هيلستروم، أحد أعضاء الحزب كتب في مدونة عن أحداث «شارلي إيبدو» على الصفحة الرسمية للحزب «ليس الإسلاميون وحدهم المذنبين. فسياسيونا ووسائل إعلامنا مذنبون أيضاً. وهم الذين مهدوا لهذا التطور، وهم من أفقدوا حرية التعبير شرعيتها. لا أحد يمكنه أن ينكر أنه لم يكن يدرك أن هذا (اعتداء الاسلاميين) آت. لقد حذر حزبنا من هذا الأمر ولسنوات عدة». الحزب الذي يحمل شعار «التغيير الفعلي»، هل يغير فعلياً الهوية المتمدنة العلمانية للسويد، ويستبدلها بهوية يمينية متطرفة؟ قد نغالي إن قلنا نعم، فالنسبة الأكبر من السويديين تنتمي إلى أحزاب ومدارس سياسية تدعو إلى الاشتراكية والانفتاح وتقبل الآخر، لكن نمو اليمين المتطرف في أوروبا وبهذه السرعة القياسية، مقلق. فمثله مثل نمو التيارات التكفيرية. وهنا يكمن السؤال، هل نحن أمام انقسام العالم إلى قسمين، كل منهما متطرف؟ إما يميني متطرف، أو إسلامي متطرف؟
ما حصل في فرنسا يشبه ما يحصل في كل مكان في أوروبا. إحراق مقدسات المعتقد والفكر ضاربة في كل مكان. ففي الآونة الأخيرة اعتدي على أكثر من مسجد في السويد. وفي إيطاليا اعتدى 5 رجال على كنيسة، حطموا فيها تمثال للسيدة العذراء ومن ثم تبولوا عليه. أما في ألمانيا فقد تظاهر الآلاف ضد اسلمة البلاد. قيل إن حركة «بيغيدا» المنظمة للتظاهرة استخدمت أحداث «شارلي إيبدو» لتجمع أكبر عدد من المحتجين، مستغلة الغضب الشعبي المسيطر على الشارع الأوروبي، وأعداد الآلاف لم تكن كلها غاضبة على المسلمين، بل فقط متعاطفة مع ضحايا المجزرة، لكن سرعان ما انطلقت تظاهرة أخرى لـ «بيغيدا» في جناحها الدانماركي، وهذه المرة أقل عدداً ولكن بذات الوضوح «نعم نحن ضد ايديولوجية الإسلام». كل هذه الحركات تتبع أحزابا أوروبية يمينية متطرفة، وتشهد تزايداً ملحوظاً وستشهد المزيد ولا سيما بعد أحداث «شارلي إيبدو».