تقاطر الملايين للمشاركة في التظاهرات التي عمّت فرنسا يومي السبت والأحد الماضيين، على خلفية الهجوم على مجلّة «تشارلي إيبدو»، معبّرين عن تعاطفهم مع الضحايا وتمسّكهم بحرية الصحافة. إلا أن هذا المشهد تصدّع، وهذا أقلّ ما يمكن قوله، حين تصدّر الموكب الباريسي يوم الأحد مسؤولون سياسيون من حول العالم علاقتهم بحرية الصحافة أقل ما يقال فيه إنها ملتبسة.


ولا نتحدّث هنا عن تحمّل المسؤولين، على الأخص الغربيون منهم، مسؤوليةً مباشرةً في الحرب على الإرهاب التي أُطلقت قبل نحو عقدين ولم تسفر إلا عن المزيد من الإرهاب والمزيد من الفوضى في العالمين العربي والإسلامي. (قراءة: «الحرب على الإرهاب، «المشهد الثالث»- لو موند ديبلوماتيك، تشرين الأول 2014).
سنكتفي بذكر بعض من أبرز الشخصيات المشاركة انطلاقاً من بيان مراسلين بلا حدود الذي ندد «بحضور قادة دول في مسيرة الجمهورية في باريس يتعرض فيها الصحافيون والمدوّنون إلى اضطهاد ممنهج مثل مصر وروسيا وتركيا والجزائر والإمارات العربية المتحدة، إذ تصنّف المنظمة مراتب هذه الدول في ما يتعلّق بحرية الصحافة في العالم بالمراتب ـ159، و148، و154، و121، و118 على التوالي من أصل 180».
ففي مصر، لا يزال ثلاثة صحافيين من قناة الجزيرة في السجن منذ أكثر من سنة، والعشرات غيرهم رهن الاعتقال (قراءة: «مصر، حرب مفتوحة على الصحافة» أوريان 21، 3 تموز 2014) وقد وصلتني شخصياً رسالةَ من أربعة منهم، بينهم عبد الله فخراني المعتقل في سجون النظام منذ أكثر من عام بانتظار المحاكمة. وفي اليوم نفسه الذي سار فيه وزير الخارجية المصري في ساحة الجمهورية، أصدرت محكمة مصرية حكماً بالسجن ثلاث سنوات بحقّ مواطن مصري متهم بالإلحاد.
وكتب موقع «20 مينوت»: «في تعبير مضطرب، أصدرت وزارة الخارجية المغربية بياناً أعلنت فيها أنها ستتمثّل في التظاهرة» ولكنها أضافت «في المقابل، لا يمكن أن يشارك وزير الشؤون الخارجية والتعاون أو أي مسؤول رسمي مغربي، في هذه المسيرة، في حال رفع رسوم كاريكاتورية مسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام».
أمّا في ما يتعلق بتركيا، فقد صعّدت خلال الأشهر الثلاثة الماضية قمعها للصحافيين. وانتقد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تقرير «مراسلين بلا حدود» حول العنف تجاه الصحافيين.
وردّ الأمين العام للمنظمة كريستوف ديلوار بالقول إن «مراسلين بلا حدود»، «تضع في تصرّف السيد أردوغان التوضيحات المتعلقة بـ117 حالة اعتداء وتهديد لصحافيين سجّلت هذا العام في تركيا». وسأل «أيجب التذكير بأن مراسلين بلا حدود منظمة مستقلة ومحايدة تستند خلاصاتها إلى منهجية محددة ووقائع يمكن الاطلاع عليها؟ (...)» ورأى ديلوار أن اتهامات أردوغان الموجهة إلى المنظمة «تأتي في إطار معاداة التعددية التي يظهرها رئيس الدولة ضد الصحافيين الذين لا يرضى عنهم.» ولا نتناول هنا الدول الأخرى حيث تُقمع الحريات ولكنها لا تقع ضمن المنطقة التي تغطيها هذه المدونة.
وأخيراً، لا بدّ من التعليق على مشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مجرم الحرب «المزعوم» وبعض وزراء اليمين المتطرف، هذا إن كان هناك من متطرفين أكثر منه. فقد كتب إيدو أمين في صحيفة «هآرتس» في عددها الصادر يوم 12 كانون الثاني «في إسرائيل: ما كان ليُسمح بحضور تشارلي إيبدو حتى»، إذ يؤكّد الكاتب أن إسرائيل ما كانت لتسمح أبداً بنشر مجلة مثل «تشارلي إيبدو»، كما أن الصحافيين الفلسطينيين المعتقلين دون أن نذكر أولئك الذين قتلوا في غزة مثلاً، يشهدون على حرية الصحافة «المصنوعة في إسرائيل». وعلى كلّ حال فإن مجرد وجود أولئك الوزراء إهانة لكلّ القيم التي يدّعي منظمّو التظاهرة الدفاع عنها، وهو يمثل عائقاً لا بدّ من استنكاره.
(ترجمة هنادي مزبودي)
* رئيس التحرير المساعد
في «لو موند ديبلوماتيك» (فرنسا)