تتطوّر الأحداث في فرنسا، متخذة الاتجاه ذاته الذي سبق أن سارت عليه التطورات التالية لهجمات 11 أيلول 2001 في الولايات المتحدة؛ فشعور العديد من الفرنسيين بالضعف بعد اختراق «حصنهم الأمني»، دفعهم إلى المطالبة بتطبيق أكثر الإجراءات إثارة للجدل التي طبقتها أميركا عقب الهجوم على مركزي التجارة العالميين، ومنها قانون «باتريوت آكت» أو ما يعرف بـ«قانون الوطنية» أو «قانون مكافحة الإرهاب»، الذي يعطي الهيئات التنفيذية المتمثلة في أجهزة الشرطة ومكتب التحقيقات الفيدرالي صلاحيات واسعة في مجال مراقبة وتفتيش المشتبه فيهم من دون أن يكون لديهم أدلة ملموسة تدينهم مباشرة ومن دون فرض رقابة كافية على تلك الصلاحيات.


أضف إلى ذلك أن هذا القانون أوجد وضعية المقاتل العدو والمقاتل غير الشرعي، الذي سمح للولايات المتحدة بالقبض من دون حدود ولا محاكمة على المتهمين بالإرهاب، ما يعني أنه أدى بشكل أو بآخر إلى إنشاء معتقل «غوانتانامو». باختصار، وبحسب ما تخلص صحيفة «لو فيغارو» الفرنسية، أسهم هذا القانون في تحريك العلاقة بين الأفراد والحكومة على أنغام «الأخ الأكبر».
وإن كان هناك في الولايات المتحدة من يطالب الكونغرس بتمديد العمل في هذا القانون بعد انتهاء مدته، في أول حزيران المقبل، خوفاً من الآتي بعد أحداث باريس الأخيرة، إلا أن هناك من يطالب بوقف العمل فيه. وكذلك الأمر في فرنسا، حيث ما زال الوضع مثيراً لبداية جدل في ما يشبه الاستباق لإمكانية تطبيقه؛ فتحذير رئيس الحكومة، مانويل فالس، من إدراج «باتريوت آكت» على قائمة الإجراءات المتوقعة، في ردّ على مطالبة اليمين المتطرف به، لم تضع حداً للنقاش حول الموضوع في ظل التجربة الأميركية في هذا المجال، حيث الحريات الأساسية أصبحت محاطة، منذ 11 أيلول 2001، بترسانة كبيرة من التدابير الوقائية والقمعية.

يتعارض «باتريوت آكت»
ونتائجه مع المثل
الديموقراطية الأميركية

فهذا القانون كان قد دفع «الاتحاد الأميركي للحريات المدنية»، في عام 2005، إلى رفع شكوى قضائية ضد مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي «اف بي اي»، على اعتبار أن آلية عمله تسمح بالتدخل في حياة المواطن الشخصية إضافة إلى أنه يضيّق على الحريات والحقوق. ورغم أنه كان من المقرّر أن يكون مؤقتاً، إلا أنه مُدِّد العمل به لمدة أربع سنوات من قبل الكونغرس وبموافقة من الرئيس باراك أوباما.
ومن الناحية النظرية، يتعارض قانون «باتريوت آكت» ونتائجه مع المثل الديموقراطية الأميركية، بحسب صحيفة «لوفيغارو»، التي وضعت فعاليته في موقع مثير للجدل، خصوصاً بعد كشف المستشار السابق في وكالة الأمن القومي الأميركية، إدوارد سنودن، عن برامج تنصت قامت بها الوكالة على ملايين المواطنين الأميركيين، الأمر الذي يعتبر من الآثار غير المباشرة لـ«باتريوت آكت»، كما تضيف الصحيفة. ولا تغفل «لو فيغارو» الحديث عن المدافعين عن هذا القانون، الذين يلفتون دائماً إلى أنه سمح بإحباط الكثير من المؤامرات ضد الولايات المتحدة من قبل «ذئاب وحيدة»، أو ما يسمى «lone wolf»، لكنها تشير في هذا الإطار إلى أن الإحصاءات، غير المكتملة إلى حدّ كبير، لا تسمح بمعرفة مدى فعاليته. فكان لا بدّ من الإشارة على سبيل المثال إلى أن «منظمة الحدود الإلكترونية»، كانت قد أعلنت أن 0.5 في المئة فقط من إجمالي التحقيقات التي أجريت باسم هذا القانون الأميركي، في عام 2013، كانت لها شبهة إرهابية.
مدير «المجلس الوطني للرقميات» في فرنسا، بينوا تيولان، دعا في مقابلة مع قناة «بي أم تي في»، إلى «عدم التعاطي بنحو عاطفي مع الأحداث التي شهدتها باريس، الأسبوع الماضي، كما فعل الأميركيون إثر أحداث 11 أيلول»، وتأتي دعوة تيولان لتواجه الدعوات التي طالبت بتطبيق القانون من قبل نواب من اليمين المتطرف ومن «الاتحاد من أجل حركة شعبية» اليميني، مثل النائب فاليري بريكيس، التي حثّت عبر حسابها على موقع «تويتر» على تطبيق «باتريوت آكت» على الطريقة الفرنسية.
ولكن أيضاً أمام «مزايدات» اليمين الفرنسي، هناك من اليسار من يسعى إلى وضع السدود أمامهم من أجل منعهم من استثمار الجريمة «لتقييد الحرية التي دعت إليها شارلي إيبدو»، بحسب ما ذكرت صحيفة «ليبراسيون» التي أشارت إلى مقال للمحامي الفرنسي المعروف، روبرت بدينتر، نشرها في الصحيفة نفسها قبل أيام وقال فيها إنه «ليس من خلال القوانين والمحاكم الخاصة نقوم بالدفاع عن الحرية في وجه أعدائها»، ناقلاً في السياق ذاته عن أحد نواب اليسار قوله: «سنفعل ما بوسعنا من أجل عدم سحب اليسار المعتدل إلى الوراء»، في إشارة إلى مطالبات اليمين المتطرف.