واشنطن مستاءة من ضعف السلطة والفساد وزراعة الأفيون


مي الصايغ
مع تسلمه الرئاسة الأميركية، ارتأى الرئيس باراك أوباما أن يجعل بينه وبين الرئيس الأفغاني حميد قرضاي مسافةً، بعدما انتقد مستشاروه الرئيس السابق جورج بوش لإقامته علاقة شخصية جداً مع قرضاي من خلال حواراته عبر الأقمار الصناعية التي تكررت مرة كل أسبوعين، ما خلق نوعاً من المودة بين الرئيسين، أصبح بموجبها من الصعب على بوش الضغط على الحكومة الأفغانية. فكان أوباما فجاً حيال قرضاي، ولم يتحدث معه عبر الهاتف لأسابيع عدة بعدما أدّى اليمين، رغم أنّ أفغانستان مثّلت إحدى أولويات رئاسته. وفي أول مؤتمر صحافي يعقده في المكتب البيضاوي، وصف الرئيس الأميركي حكومة قرضاي بأنها «منفصلة بشدة» عن شعبها. وعلى غرار ما حدث في ذروة أعمال العنف بالعراق بين عامي 2006 و2007 حين انتقدت إدارة بوش الزعماء السياسيين العراقيين، بدأت الإدارة الحالية تنقلب ضد قرضاي، الذي يواجه انتخابات لولاية أخرى في 20 من الشهر الجاري. وتوالت الانتقادات من وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، التي استخدمت خلال جلسات تأكيد تعيينها أمام مجلس الشيوخ في كانون الثاني الماضي، عبارات قاسية ضده، واصفةً أفغانستان في عهد قرضاي بأنها «دولة مخدرات». كما استشاط نائب الرئيس الأميركي، جو بايدن، غضباً جراء رفض قرضاي تحمل المسؤولية عن الفساد المستشري في بلاده، فألقى بايدن بفوطة المائدة الخاصة به وخرج مسرعاً من حفل عشاء رسمي بكابول بعد أسبوعين من تولي أوباما الرئاسة، وفق ما ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية.
عندها وجد قرضاي نفسه وحيداً، فحلفاؤه القدامى لم يعودوا في السلطة، والإدارة الجديدة تمادت في انتقاده عوضاً عن مساعدته، فانتابه إحباط من حلفائه الغربيين، وعلى وجه الخصوص الإدارة الأميركية الجديدة، فاستدار إلى الشرق بحثاً عن حلفاء جدد، مثل روسيا وإيران والصين، الذين لديهم مصالح اقتصادية في أفغانستان، وتحفظات في الوقت نفسه على وجود قوات أجنبية على مرمى حجر منهم.
وأصبح قرضاي أكثر انتقاداً للغرب، وعلى وجه الخصوص للولايات المتحدة وقوات حلف «شمالي الأطلسي»، لتسبيبها خسائر بشرية بين المدنيين. وخرج عن صمته معلناً أنّ «الأميركيين يمارسون عليه الضغط من أجل ان يبقى صامتاً، لكن ذلك لم يعد ممكناً». وفي حفل تخرج لدفعة من ضباط الجيش الأفغاني في نهاية كانون الثاني الماضي، طالب الولايات المتحدة بتزويده بالطائرات والدبابات «وإلا فسنحصل عليها من مكان آخر. لقد فقدنا صبرنا ولم نستطع العيش من دون طائرات». وأضاف «مطالبنا واضحة، وقف استهداف المدنيين ووقف مداهمة منازل الأفغان للتفتيش والاعتقال». كما استغل حفل تنصيب الرئيس الأميركي باراك أوباما ليصدر بياناً يعلن فيه موافقة روسيا على تقديم مساعدة دفاعية إلى أفغانستان.
في ظل هذه الأجواء، بات التوتر بين الولايات المتحدة وأفغانستان أكثر وضوحاً، وبدأت التسريبات عن احتمال قيام الإدارة الأميركية بدعم مرشّح آخر للرئاسة لاستبدال قرضاي، وهو أمر حذر من انعكاساته الخطيرة، ماكس بوت، أحد الباحثين في مجلس العلاقات الخارجية، في مقال نشر في «واشنطن بوست»، تعليقاً على ما أوردته صحيفة «نيوزويك» عن إمكانية تحول أفغانستان إلى فيتنام أوباما.
فرغم انتقاده للمغالطات التي وردت في التقرير على حد تعبيره، يرى بوت أنه قدم خدمة كبيرة لأنه أظهر على السطح واحدة من أكبر الأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة في فيتنام عبر المساعدة في إطاحة رئيس فيتنام الجنوبية نجودين ديم في عام 1963. وينصح الولايات المتحدة بعدم ارتكاب الخطأ نفسه في أفغانستان.
ولإيضاح هذه المسألة، تحوّل بوت إلى العراق، مشيراً إلى عدم رضى الولايات المتحدة برئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في أوائل عام 2008 عندما كان يبدو أن الأمور لا تسير على ما يرام. وبعد عام واحد، ظل موقف نوري المالكي قوياً، «لقد كان المالكي يبدو ضعيفاً عندما كانت الظروف في العراق سيئة جداً بدرجة تجعل أي زعيم يجد صعوبة في ممارسة سلطاته. وبالتالي، فإنّ تحسن الأحوال الأمنية أدى إلى حدوث تحسينات كبيرة داخل الحكومة».
مقارنة رد عليها الكاتب جو كلاين في مقال في «التايمز» البريطانية، واصفاً إياها بغير المتوازنة. فرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بنظر كلاين «ليس بذلك الفساد الذي يبدو عليه قرضاي»، مستشهداً بتقارير الجيش الأميركي التي تكشف قيام حلفاء قرضاي بإدارة حكومات ظل في اثنتين من أكبر المحافظات المنتجة للأفيون.
بدوره، أقرّ سفير الولايات المتحدة السابق في أفغانستان، زلماي خليل زاد، بأنّ قرضاي ارتكب أخطاءً، لكنه اعتبر أنّ «الخطاب ضده سيأتي بنتائج عكسية والهجوم عليه شخصي للغاية».
غيّر أنّ واشنطن لم تكف عن استفزاز قرضاي إلا بعد تعيين الدبلوماسي المخضرم ريتشارد هولبروك في منصب مبعوث أوباما لأفغانستان وباكستان، الذي أبلغه قرضاي بأنه سيستقيل إذا لم تخفف واشنطن من حدة انتقادها.
فبعد أشهر من لوم حكومة قرضاي، كفّ المسؤولون الأميركيون عن تأنيب الرجل، الذي خفف بدوره من حدة شكاويه. ويرى مسؤولون أن الأميركيين أدركو أنهم لا يستطيعون الإفراط في انتقاد قرضاي، خشية إضعافه وإفقاده أي شرعية. كما أن انتقاده لن يحقق شيئاً سوى الانتقاص من فكرة الحكومة الأفغانية ومنصب الرئاسة، على الأقل إلى أن تعثر واشنطن على أحد أفضل من قرضاي لهذه الوظيفة.



«طالبان» تهاجم الشرطة في كابولوكان المتمردون قد هاجموا بالقذائف ليل أول من أمس قاعدة الجيش الإسباني في هراة (غرب) التابعة للقوة الدولية المساهمة في إرساء الأمن في أفغانستان «إيساف» التابعة للحلف الأطلسي. وقال بيان للحكومة الإسبانية إن «ست قذائف سقطت على القاعدة». وأضاف أن «القذائف أطلقت من موقع شمال القاعدة لكنها لم تصب الجنود الإسبان ولا تجهيزاتهم» في القاعدة.
(أ ف ب)