لا يُسمح للمعتقلين بتوكيل محامين ولا يحقّ لهم أكثر من دراسة سطحيّة لأوضاعهم


مي الصايغ
لم تكد منظمات حقوق الإنسان تفرح بقرار واشنطن إغلاق معتقل غوانتنامو، حتى عادت وتنبّهت إلى نموّ «غوانتنامو جديد» خلف جدران معسكر «باغرام» في أفغانستان. وراء هذه الجدران، تبدو الأوضاع «مرعبة»، وَفق شهادة 25 سجيناً سابقاً قابلتهم قناة «بي بي سي»، في تموز الماضي. تعرّض هؤلاء لوحشية جسدية، وضغوط عصبية، وتعذيب نفسي، وإهانة علنية، وحرموا من مراجعة أسباب اعتقالهم.
ويقول الدكتور خضران، الاسم الذي أطلقه على نفسه أحد سجناء باغرام السابقين، «كانوا يصبّون علينا الماء البارد في الشتاء، والماء الحار في الصيف. وكانوا يستخدمون الكلاب ضدنا، ويعطوننا أدوية لمنعنا من النوم. كانوا يوجّهون مسدساً أو أي سلاح إلى رؤوسنا ويهدّدوننا بالموت. ووضعوا بعضنا في أقفاص تحتوي على 15 إلى 20 رجلاً».
وما شهادة المدعي العام العسكري الأميركي، ستيوارت كوتش، عن معتقل باغرام إلا دليل إضافي على الأوضاع المزرية التي يعيشها المعتقلون. ورأى أن «معتقل غوانتنامو بات فندقاً جميلاً، مقارنةً مع باغرام، حيث يجلس معظم السجناء في صفوف على الأرض، بشكل يبدو أشبه ببيت للقردة في حديقة للحيوانات».
مسؤولة «التنسيق الأميركي» لدى منظمة «العفو الدولية» في فرنسا، ناتالي بيرغر، قالت «لقد تكلمنا كثيراً على غوانتنامو، وهذا جيد، لكنه ليس إلا الجزء البارز من الجبل الجليدي».
وباغرام، الذي أنشئ في الأساس كنقطة مؤقتة من أجل إيواء السجناء من المقاتلين الأعداء، أصبح مبنى أزلياً. وبعدما كان محطة لانتقال السجناء إلى غوانتنامو، بدأ يستعد لاستقبال بعض نزلاء الجزيرة الكوبيّة.

معتقل باغرام يستعد لإستقبال بعض نزلاء غوانتنامو
أمام هذا الواقع المأسوي، رفعت المنظّمات الحقوقية صرختها عالياً، متسائلةً «بعد غوانتنامو، ماذا عن قاعدة باغرام؟». الإجابة كانت صدمة حقيقية، إذ قررت وزارة العدل والمحكمة الاتحادية الأميركية مواصلة سياسة الرئيس السابق جورج بوش عبر إبقاء قاعدة باغرام، حيث يمكنها سجن مشتبهي الإرهاب بعيداً عن أعين المحاكم الأميركية. وأوضحت إدارة أوباما أنّ سجن باغرام يجسّد وضعاً «مختلفاً أساساً» عن وضع غوانتنامو، الذي يقع «تحت القانون والمراقبة التامة للولايات المتحدة منذ أكثر من مئة عام»، فيما «الوجود الأميركي في قاعدة باغرام الجوية منذ أقل من عشر سنوات».
غيّر أنه تحت وطأة الضغوط، تتجه الإدارة الأميركية نحو إعداد قواعد جديدة من شأنها أن تعطي مئات من معتقلي باغرام الحق في الطعن في احتجازهم. وهو ما أكّده المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية، براين ويتمان، الذي قال إنّ البنتاغون يستعد لتكليف مسؤولين عسكريين لمنح نحو 600 معتقل في سجن باغرام إمكان نقض مبرر اعتقالهم.
غير أنّ هؤلاء المسؤولين لن يكونوا محامين، فهم سيكتفون «بتقديم المساعدة في جمع الشهادات التي تدعم إطلاق سراحهم، على أن يتألف مجلس المراجعة من ثلاثة ضباط يتولون إعادة النظر في قرار احتجاز المعتقلين».
وخلافاً لمعتقلي غوانتنامو، لا يمكن معتقلي باغرام الحصول على محامين ولا يبلّغون بالاتهامات الموجهة إليهم، ولا يحقّ لهم أكثر من دراسة سطحية لأوضاعهم «كمقاتلين أعداء».
إجراءات رأتها المنظّمات الحقوقية خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها غير كافية. وأعربت المديرة التنفيذية لمنظمة «العدالة الدولية»، تينا فوستر، عن تحفّظها على القرار، مضيفةً «على الورق يبدو أنّ هناك تغييرات، لكن اعتقد أنّ الآلية هي مجرد كلمات». ورأت أنّ «الخطوة الأولى يجب أن تكون بالسماح للمحتجزين بالحصول على محامين فعليين».
فوستر، التي صوّتت لأوباما خلال الانتخابات الرئاسية الأميركية، تنفّست الصعداء عندما أعلن البيت الأبيض عزمه على إغلاق غوانتنامو. لكنها اليوم لا تجد أي فرق على الإطلاق بين إدارة بوش وأوباما في مسألة حقوق معتقلي باغرام، فسيّد البيت الأبيض فشل حتى آلان في تحقيق التغيير الذي وعد به.
كذلك أبدى مسؤولون عسكريون تساؤلاتهم عن مدى سرعة وشمولية أن يتمّ وضع هذه الخطوط العريضة موضع التنفيذ، مبدين تخوّفهم من «عدم أهليّة» الأشخاص الذين ستوكل إليهم مهمة تمثيل هؤلاء المعتقلين.
يشار إلى أنّ مشاكل باغرام طفت على السطح في عام 2005 في أعقاب حصول صحيفة «نيويورك تايمز» على تقرير للجيش الأميركي في شأن موت سجينين من المدنيين الأفغان كانا رهن اعتقال الجيش الأميركي في عام 2002. حينها بادر مسؤولون عسكريون أميركيون إلى القول إن وفاتهما كانت لأسباب طبيعية. غيّر أنه بعد عملية تحقيق من قبل الصحيفة، أقرّ الجيش الأميركي، بعد تشريح الجثتين، بتعرضهما لتعذيب حتى الموت. وعلى أثر ذلك، تعهدت الولايات المتحدة بتحويل مسؤولية السجن إلى الحكومة الأفغانية. غير أنه بسبب الإجراءات البيروقراطية القانونية والإدارية، فإنّ السجن لا يزال تحت سيطرة القوات الأميركية.