اعترافات الناجي الوحيد من منفِّذي اعتداء 26/11 الهندي


شهيرة سلّوم
انتهى التحقيق مع الباكستاني محمد أجمل أمير كساب، الناجي الوحيد من منفذي أخطر اعتداءات بعد 9/11 في العاصمة الاقتصادية للهند، مومباي، في 26 تشرين الثاني 2008. ونطق القاضي إم إل تاهالياني بحكم الإعدام شنقاً بحقه. فمن هو هذا الشاب الباكستاني «الإرهابي» الذي تنتظر جماهير هندية غاضبة إعدامه، وكيف زُجَّ في العملية وأُعدّ لها؟
ينتمي أمير إلى عائلة فقيرة من قرية فريدكوت في مقاطعة أوكارا البنجابية في باكستان. بالنسبة إلى سنّه، أصرّ أمير خلال التحقيق معه على أنّه مراهق، فاحتارت السلطات الهندية بشأنه، وأمرت المحكمة بإجراء فحوص بيّنت أنه يتجاوز العشرين، وذكرت تقارير أنه يبلغ 22 عاماً.
عن انضمامه إلى «عسكر طيبة»، هناك عدة روايات متباينة. تتحدث إحداها عن أنه أثناء المراهقة، بسبب حالة الفقر، لجأ مع صديقه مظفر لال خان إلى عالم الجريمة والسرقة المسلّحة؛ وبينما كان يحاول الرفيقان شراء السلاح في روالبندي، التقيا بأفراد من جماعة «الدعوة»، الجناح السياسي لجماعة «عسكر طيبة»، يوزعون كُتيبات عن أفكار التنظيم. وبعد دردشة قصيرة، قرر الرفيقان الانخراط في تدريبات «عسكر طيبة» في مخيم مركز طيبة.
لكن الرواية الثانية تتحدث عن أن أمير ينتمي إلى عائلة متوسطة، وليس فقير الحال، وأنه يتحدث الإنكليزية بطلاقة. ومصادر ثالثة قالت إن والده هو من طلب منه الانضمام إلى «عسكر طيبة» بهدف الحصول على الأموال لإعالة العائلة، وهو ما أكده بدوره خلال التحقيقات، إذ قال: «قال لي أبي نحن فقراء، ثم عرفني إلى رجال «عسكر طيبة»، وأرسلوني بعدها إلى التدريب». لكن عندما سُئل الأب عن هذا، أجاب: «أنا لا أبيع أولادي». بعض القرويين من جيرانه قالوا إنه طلب مباركة والدته كي يخرج للجهاد، وإنه كان يعرض قدراته القتالية أمام صبية القرية قبل أن ينطلق للتدريب مع الجماعة.
في اعترافاته، يقول أمير إنه كان ضمن مجموعة مؤلفة من 25 شخصاً تلقوا تدريبات لمدة 3 أشهر على العمليات الحربية في مخيم في منطقة مظفر آباد الجبلية في كشمير الباكستانية. من ضمنها تدريبات نفسية مرتبطة بدوافع القتال وتعبئة وتحريض المجندين عبر استحضار القضايا الإسلامية، في الهند وجامو وكشمير والشيشان وفلسطين والقدس المحتلة. انتقلوا بعدها إلى التدريبات الميدانية المتنوعة إلى أن وصلوا إلى مرحلة اختيار مجموعة «نخبة» لتنفيذ الاعتداء.
وبالفعل جرى اختيار 10 أشخاص لمهمة مومباي، ودُرّبوا على السباحة والإبحار واستخدام الأسلحة والمتفجرات. وقالت الاستخبارات الأميركية إن ضباطاً باكستانيين سابقين في الجيش ووكالة الاستخبارات الباكستانية «آي أس آي» شاركوا في هذه التدريبات. وأُعطيت المجموعة خرائط للأهداف الأربعة: تاج محل، «بالاس أند تاور»، فندق «أوبيريو تريدانت» والمركز الإسرائيلي «ناريمان هاوس» والتنفيذ في 26 تشرين الثاني الهندي.
أمير وزميله أبو ديرا إسماعيل خان (25 عاماً) هاجما محطة «شاتراباتي شيفاجي تيرميناس»، ثم سيارة شرطة قتلا داخلها مجموعة من الضباط وأخذا اثنين منهم رهائن. انتقلا بعدها إلى «مترو سينما» وفتحا النار عشوائياً على حشد كان هناك. ثم إلى «فيدهان بهافان»، حيث أطلقا أيضاً الرصاص عشوائياً، ثم انتقلا باتجاه «جيرغيرغوم شوباتي». وصلت الأخبار إلى الشرطة عن وجود مسلّحَين يتنقلان من مكان لآخر ويطلقان النار ويقتلان الناس. اتجهت الشرطة إلى منتجع «جيرغيرغوم شوباتي»، حيث تطاير الرصاص بين الطرفين فسقط خان ميتاً، واعتُقل أمير.
في اعترافاته، يقول أمير إنه كان يُفترض أن يقاتل حتى النفَس الأخير، بحسب التعليمات، لكن مصادر أمنية قالت إنه طلب إسعافه حين اعتقل قائلاً: «أرجوكم، لا أريد أن أموت». لكن في ما بعد طلب من المحققين أن يقتلوه «الآن لا أريد أن أعيش»، خوفاً على عائلته في باكستان كي لا تقتل أو تعذب لأنه استسلم للشرطة الهندية، بحسب الشرطة. إذ طُلب من أفراد المجموعة أن لا يُعتقلوا أو يسمحوا بالتحقيق معهم، وأن يستخدموا ألقاباً ويُخفوا جنسيتهم.
وأكّد أمير للمحققين أن قيادة «عسكر طيبة» كانت على اتصال مع أفراد المجموعة خلال تنفيذ العملية عبر الهاتف من خلال خدمة الصوت الإلكترونية.
في التحقيق، بدا أمير كأنه لا يعرف شيئاً عن الجهاد، يُعرّفه: هو أن تقتل وتُقتَل وتصبح شهيراً... وتجعل الله فخوراً بك. وفي تسجيل نشرته «سي أن أن» يتحدث أثناء التحقيق كيف يجري التجنيد للجهاد «يتحدثون للناس عن الجهاد. عمل مشرف وجريء. يُكسبك الاحترام. وهو عمل لله. تجني من ورائه الأموال وتمحو فقرك». وعندما سُئل إن كان يعرف مقتطفات من القرآن لتعريف الجهاد أجاب بـ«لا». وقالت مصادر في الشرطة إنه لا يعرف شيئاً عن الإسلام.
يتابع أمير رواية تجنيده «قالوا لنا إن شقيقتنا الأكبر الهند غنية جداً ونحن نتضور جوعاً ونموت من الفقر. أبي يبيع «داهي وادا» (وجبة شهيرة في شمال الهند) في لاهور، وهذا لا يكفينا كي نأكل. وعدوني، إذا نجحت مهمتي، بأن يعطوا عائلتي 150 ألف روبية». وأضاف: «إذا أعطيتموني وجبات منتظمة ومالاً، سأفعل الشيء نفسه من أجلكم».
أمير وحكايته يجسدان شكل التهديدات الآنية وأكثرها خطورة من جهة، إذ تعتمد على الفوضى والعشوائية وتركز على الأماكن المكتظة وهي مجالات يسهل اختراقها، وحال منفذ الاعتداء من جهة ثانية؛ شاب مولع بالمغامرة لا دراية دينية له يحرّكه غضب مصدره حيف اجتماعي واقتصادي وسياسي وتُديره جماعة لها مصالحها المحلية وارتباطاتها الإقليمية، ليمثّل في النهاية وقوداً لها ولغيرها.



إعدام مؤجّلالاستئناف بدوره سيطول أجله، إذ قد يستغرق خمس سنوات على الأقل، وبانتظار الإجراءات القانونية للمحاكمة، فإن إعدام أمير قد يأخذ عقداً من الزمن.
نيودلهي رأت أنّ الحكم «رسالة إلى إسلام آباد، مفادها أنه يجب ألّا تصدّر الإرهاب إلى الهند»، لكنه لم يعلق الحوار بين الجارتين اللدودتين، الذي كان قد استُؤنف في شباط الماضي.